الرئيسية / قاعدة بيانات الجزائر - Article / الأصل الجزائري لباب المغاربة وسكانه في القدس .. القصة التاريخية الكاملة للتسمية 

الأصل الجزائري لباب المغاربة وسكانه في القدس .. القصة التاريخية الكاملة للتسمية 

أنت هنا:

ما العلاقة السببية ل سيدي بومدين الغوث التلمساني وما علاقة بجاية؟! 

بقلم: حمزة دباح

شهدت العقود الأخيرة حصول استحواذ سافر في المغرب الشقيق على التراث التاريخي الجزائري في القدس، كما على مساحات هائلة من الإرث الثقافي والتاريخ الإسلامي المطمور في جزائر الاستقلال المهملة وغير المكترثة. حصل ذلك في غفلة من الجزائريين الذين لم تتم تنشئتهم على معرفة وقائع تاريخهم الإسلامي منذ الفتح. وفي غفلة من الدولة الجزائرية التي لا تعرف أو لا تهتم بهذه الجوانب، أو حتى ربما لا يكفي وعيها بها أو تتجاهلها عمدا.  يتعلق السطو الذي سنركز عليه هنا بباب وحائط وحارة المغاربة. من يعرف قصة العالم المجاهد؛ بطل العالم الإسلامي وعلاَّمته الكبير شعيب سيدي بومدين الغوث، ومن يعرف أحداث معركة حطين، ومن ويقرأ في كتب التاريخ ويبحث فيها يعرف أن تسمية “باب المغاربة” تتصل في أصل نسبتها بأتباع الشيخ العالم المجاهد شعيب أبو مدين الغوث التلمساني الجزائري. أتباع هم أساسا طلبة القرآن من تابعيه حيث كان يقيم في بجاية. وقد تشكلوا حربيا وراء أبي مدين وساهموا باستبسال في الجهاد لاستعادة القدس من الصليبيين بمعركة حطين مع القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي.

تلعب النخب المغربية لعبة التخفي وراء مغالطات الكلمات والتلاعب بالسياقات التاريخية للمصطلحات. وتختفي وراءها في اقتراف تزوير فائق في موضوع تلفيق نسبة مغربية لتسمية باب وحارة المغاربة والاستحواذ التمثيلي على أوقافها لصالح المملكة المغربية. بينما باب المغاربة وحارة المغاربة في الحقيقة تراث خالص لأسلاف الجزائريين ويرتبط بوقائع تاريخية محددة.  كيف ذلك؟  يحصل الاحتيال من مدخل اللعب المخادع على المصطلح. كي نفهم ذلك نحتاج أن نفهم أولا أن العالم العربي كان ينقسم إقليميا منذ الفتح الإسلامي إلى شقين هما المشرق والمغرب.

وكان أهل المشرق عبر القرون يعطون كل الناس من المنطقة التي تبدأ بعد مصر تسمية “المغاربة” و “أهل المغرب”. ويعني ذلك أهل المناطق المميزة جغرافيا بـ أولا، المغرب الأدنى؛ أي ليبيا وتونس بالتقسيم السياسي في عالم اليوم. ثانيا، المغرب الأوسط؛ أي الجزائر بالتسمية والكيان السياسي في الزمن الحالي. وثالثا المغرب الأقصى؛ أي المملكة المغربية وفق التسمية السياسية الراهنة.

نحتاج أن نعرف أيضا أن تسمية أهل المشرق لأهل المغرب الأدنى والأوسط والأقصى بالمغاربة تكون قد بدأت مع الفتح الإسلامي. وبالتالي تكون قد دخلت مجال الاستخدام منذ ما قبل 14 قرنا من تشكل الكيان السياسي الحديث الذي تأسس لاحقا في 1912 وأصبح يحمل لأول مرة كلمة “مغرب” في تسمية الدولة وهو ما يعرف بـ”الدولة المغربية الشريفة المحمية” أو اختصارا المغرب اليوم. وقد تأسست سنة 1912 من قبل الحاكم العام الجنرال الفرنسي “هوبار ليوطي”. بعدما أقال السلطان عبد الحفيظ ونصب السلطان مولاي يوسف وحدد له علما جديدا وعاصمة جديدة بدل فاس عاصمة ما كان يسمى قبل ذلك “السلطنة الشريفة”. أي أن الرقعة الجغرافية المعروفة بالمغرب الأقصى كإقليم كانت تسمى سياسيا بالسلطنة الشريفة. وبالتالي يسمى أهلها في حال التحديد على أساس سياسي “الشريفيون” وليس المغاربة أو المغربيون وذلك نسبة إلى العائلة الشريفية المالكة. وذلك مثلا أيضا على منوال السعوديين الذين يتصل اسمهم باسم الدولة المسماة نسبة لعائلة آل سعود.

هكذا وقد بدأت أمور التسميات تتضح نكون قد وصلنا لفهم السببية الخاصة بكون حارة وباب المغاربة في القدس تراثا تاريخيا جزائريا خالصا. ونكون قد فهمنا أن أصل السببية تتصل تحديدا بمغاربة المغرب الأوسط الذي هم جزائريو اليوم.  تعالوا ننبش أكثر في الاستبانة والاستدلال التاريخي على أن باب المغاربة وحارة المغاربة تراث تاريخي جزائري خالص يتصل تحديدا بمغاربة المغرب الأوسط دون غيرهم. تعالوا نركز فيما سأورده فيما يلي من معلومات مضافة مهمة جدا ووقائع تاريخية ساطعة مرتبة السياق.

1. تبدأ الحكاية من القرن الثاني عشر. كان هناك خلاف حاد بين ملكي الدولة الأيوبية صلاح الدين الأيوبي و الدولة الموحدية يعقوب المنصور. وهي دولة كانت عاصمتها آنذاك بمدينة مراكش. كان صلاح الدين لا يعترف بأن الدولة الموحدية خلافة للمؤمنين. بينما كان ملوك الدولة الموحدية يعتبرون أنفسهم “أمراء مؤمنين”. علما أن ملوك الدولة الموحدية هم من سلالة أول ملك للموحدين عبد المؤمن بن علي الكومي التلمساني الجزائري.

2. داعبت أحلام الموحدين نية للزحف نحو المشرق من أجل توسيع الدولة الموحدية إلى ما وراء مصر سيرا على هدي دعوتهم الإصلاحية الدينية التي كانت ترى أن مسلمي ذلك العصر على ضلالة.

3. وأدى الخلاف السياسي وعدم الثقة  بين صلاح الدين والموحدين على خلفية رغبتهم في الزحف على المشرق إلى رفض الموحدين تحقيق قائمة من طلبات صلاح الدين الأيوبي لمصلحة الجهاد في حرب إخراج الصليبيين من القدس. وقد رفض الملك الموحدي يعقوب المنصور دعم صلاح الدين الأيوبي بما طلبه من جند أيضا؛ إلا دعما بإرسال عدد من المراكب البحرية لاستعمالها في المعارك كان يعقوب المنصور قد أرسلها في الصدد.

4. وتميزت تلك الفترة المفصلية من الخلاف بين صلاح الدين والموحدين بصراع شديد على مدينة القدس بين المسلمين والصليبيين؛ بما كان يستلزم توحيد الحشد وضم جهود المسلمين إلى بعض في سبيل استعادة المدينة.

5. وأدى ذلك الخلاف السياسي المذكور لانتقال زمام المبادرة إلى نطاق تعبوي شعبي في المغرب الأوسط من أجل نصرة معركة المسلمين الكبيرة بقيادة صلاح الدين.

6. وأخذ زمام المبادرة الشعبية العالم والداعية والمجاهد شعيب أبومدين الغوث التلمساني.

7. وكانت لأبي مدين الغوث أعداد ضخمة من الأتباع؛ من حفظة القرآن وطلبة الزوايا والعلم ممن يستجيبون لدعوته عبر المدن والأقطار التي يتنقل بينها في المغرب الأوسط. وقد أقام أساسا كما هو معلوم في بجاية وتلمسان.

8. وفزع أبو مدين الغوث للجهاد في معركة حطين سنة 583 هـ 1187 ميلادي ومعه عدد ضخم من طلبته وأتباعه: وكان السواد الأعظم من أتباعه في بجاية حيث تكثر مدارس وزوايا حفلظ القرآن.

9. وقد أبلى جيش أتباع أبي مدين بلاء عظيما وأبانوا بأسا شرسا في جهاد الصليبيين إلى جانب صلاح الدين وفي تحقيق الانتصار بمعركة حطين.

10. وصلنا إلى جوهر الحكاية. كان من نتائج ذلك الدور العظيم لأتباع أبي مدين أن قرر صلاح الدين مكافأتهم بأوقاف كبيرة كي يبقوا في القدس ويصبحوا حائط صد في وجه الصليبيين إذا حاولوا إعادة الهجوم على القدس.

11. وفعلا، استقر عدد كبير منهم في المكان المسمى حارة وباب المغاربة وتجذروا في المكان منذ ذلك وصولا إلى اليوم.

12. وبنى أتباع أبي مدين بابا وحائط حماية ضخم حول القدس بلغ حوالي 1 كيلومتر. وأقاموا في المكان. وهكذا سمي على اسمهم؛ باب وحارة المغاربة. وكما كنا قد عرفنا كان جزائريو اليوم مشمولين آنذاك بالتسمية القطرية “المغاربة” نسبة إلى قطر مجيئهم؛ المغرب الأوسط.

13. للعلم، أصبح الجزائريون يعرفون ويسمون بالجزائريين منذ ما بعد سنة 1516 السنة التي أسس فيها الإخوة بربروس دولة الجزائر باسم “الجزائر” أو “سلطنة الجزائر”. وذلك بالبناء على اتخاذ مدينة الجزائر عاصمة لدولتهم الوليدة. وجاء ذلك بعد مرحلة الانطلاق الأولى من جيجل ثم بجاية.   وهنا نقف عند محطة ثانية لافتة مع بجاية وهي أنها أيضا شكلت خزانا كبيرا من المجاهدين وحفاظ القرآن الذين انضموا للأخوة بربرروس في تحرير بقية مدن البلاد من الصليبيين الإسبان والإيطاليين، وصولا لمدينة الجزائر التي أسقطت من حيازة الإسبانيين وملك الثعالبة سليم التومي حليفهم وعاملهم وضامن نفوذهم على المدينة.

14. ولم يصبح “المغرب” كما يسمى اليوم كدولة مقترنا بالإحالة لاسم المملكة المغربية الحالية وإقليم المغرب الأقصى التاريخي إلا بداية من العام 1912. وهو عام تأسيس ما أصبح يسمى “الدولة المغربية الشريفة المحمية”. تم التأسيس من قبل الحاكم العام الجنرال الفرنسي “هوبار ليوطي”. بعدما أقال السلطان عبد الحفيظ ونصب السلطان مولاي يوسف وحدد له علما جديدا وعاصمة جديدة بدل فاس عاصمة ما كان يسمى قبل ذلك “السلطنة الشريفة”.  وقد استمرت فاس عاصمة لإقليم المغرب الأقصى منذ عصر المرينيين الذين أسقطوا الدولة الموحدية. والمرينيون هم بدورهم في الأصل قبائل جزائرية زناتية من بسكرة.  ويجب العلم أيضا بأن أهل المغرب الأقصى كانوا يسمون “الفاسيين” في عصر الدولة العثمانية وذلك نسبة إلى فاس. وإلى اليوم اسم المغرب في اللغة التركية هو فاس.

15. ويذهب جانب كبير من الكتاب والصحافيين والمثقفين المغاربة بعيدا في التلاعب بالمصطلح واستغلاله بشكل متعسف. ليس فقط لتلفيق نسبة حارة وحائط وأوقاف باب المغاربة لهم. بل من مدخل نفس المصطلح يقع نهب شخصيات بالجملة من التاريخ الجزائري. وذلك ما يتضح في كثير من الكتابات والمفاخر المدعاة التي تضج في الشبكة. أي تحصل سرقة لشخصيات وتراث المغرب الأوسط من مدخل نفس التحايل الاصطلاحي.   وكمثال من بين الكثرة الواقعة تحت التلفيق شخصية عبد المؤمن بن علي الكومي التلمساني؛ أول ملوك الدولة الموحدية وأصيل الكومة في تلمسان. وكذلك الملك المعز بن باديس الصنهاجي الزيري الجزائري. وهو الملك الزيري الذي أعاد المذهب السني بالقوة إلى شمال إفريقيا خلال فترة ملكه بعد خلاف حاد مع الدولة الفاطمية، علما أن مدينة آشير التاريخية في منطقة وسط شمال الجزائر هي موطن الزيريين ومدينة انطلاقهم الأولى.

16. ويبرز خطيرا جدا من نتائج ذلك التلاعب أن حصل التحرك في المغرب للسيطرة على أوقاف حارة المغاربة بشكل منفرد مغالط. نعم، حصل بالبناء على مجرد نسج من التلاعب الاصطلاحي وما أتاحه من مدخل جيد. وذلك عادي ومفهوم أن يحدث باعتبار نواميس الكون القائمة على الحركة، ومفهوم باعتبار أن الأشقاء في المغرب لديهم دافعية قوية في النشاط والتحرك وبذل الطاقة ولديهم تميز بارز في الجهد اللوبياوي. أي تماما على عكس وضع عام متعدد الأصعدة من السكون وعدم الاكتراث والرؤيوية والنشاط في الجزائر.

17. ويثير الانتباه أيضا أنه يحضر ضخ واجتهاد مغربي كبير على شبكة الانترنت والإعلام في تكريس التحايل الاصطلاحي وفي تطبيع رواية باب المغاربة الملفقة وترسيخها دعائيا في أذهان مواطني المملكة ونسج فخر وطني مغربي حولها.  ومن أمثلة التزوير الذي يتم سوقه في سياق الاستدلال على أحقية وشرعية تولي المملكة المغربية لأوقاف باب المغاربة القول بأن الفقيه السني المالكي أبو الحجاح الفندلاوي قد جاهد الصليبيين في القدس.   بخصوص الفندلاوي هو فعلا من المغرب الأقصى لكن في تفاصيل جهاده تلفيق. ذلك أن الفندلاوي في الواقع جاهد الصليبيين بمفرد نفسه في دمشق حيث استشهد ودفن وليس في القدس.

18.  آخر الكلام، يقع على الجزائريين أن يهتموا أكثر بمعرفة قرون طويلة مجهولة من ثروة تاريخهم الإسلامي. هي قرون للأسف مقتلعة من نطاق وعي ومعرفة الجزائريين التي تتاح لهم في المدراس والمنهاج الدراسي.  ويقع على الدولة الجزائرية أن تتصالح مع تاريخها الإسلامي وتعيده إلى نطاق الاهتمام والتثمين والتدريس. ويقع عليها أيضا أن تستفيق من غفلتها وتتحرك لاستعادة تراث أسلاف الجزائريين التاريخي في القدس. وأن تضع حدا لفعل السلب الواقع عليها أينما كان ولو بالمحاكم. وأيضا بشكل ملح أن تتحرك لاستعادة أوقاف باب وحارة المغاربة وتضعها تحت رعاية الدولة الجزائرية.

حمزة دباح 16 05 2021

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟
السابق هنري فيكتور سِيِبُّيو (Henri Victor Sébillot) الفرنسي…أو “دِيدِي يوسف” الجزائري حتى النخاع
اللاحق جاسوس جزائري في بنسلفانيا

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: