الجامعة الجزائرية في عيون الجامعيين

أنت هنا:

بقلم: الدكتور فارح مسرحي

الكثير من المنتسبين إلى الجامعة الجزائرية، أساتذة في الخدمة أو تقاعدوا، طلبة وباحثين وحتى الموظفين والإداريين، يلعنون الجامعة الجزائرية، ويصفونها بشتى الأوصاف السلبية كالرداءة والانهيار وإنتاج الفشل..الخ، تظهر هذه اللعنات بصورة حادة لدى الأساتذة بعدما يتقاعدون، أو يفقدون مناصب رفيعة، مثلما تظهر بمناسبة إصدار بعض الهيئات والمؤسسات العالمية ترتيب الجامعات في العالم وبطبيعة الحال يتأخر ترتيب الجامعات الجزائرية –وهو أمر طبيعي جدا بالنظر لمعايير الترتيب ومعطيات الجامعة والدولة الجزائرية ككل- فتتحول الجامعة الجزائرية إلى موضوع شتم وتقبيح وانتقاص من قبل الكل؛ مثقفين وأميين، عارفين بمعايير التقييم أو جاهلين بها.
لن أتحدث عن موقف الطلبة لأن وضعهم معقد ويحتاج لدراسات علمية ميدانية، ما يؤلم كثيرا هو موقف الأساتذة غير المبرر تماما، بل يمكن إدراجه تحت مظلة المثل الشعبي “ياكلوا في الغلة ويسبوا في الملة”، قد يكون الموقف مبررا لو استقال أحد الأساتذة من منصبه في الجامعة وقال بأنني لا أستطيع الاشتغال في هذه المؤسسة بالنظر لكذا أو كذا من الأمور السلبية، أما وإنهم أساتذة كونتهم هذه الجامعة والكثير منهم أسهم بصورة أو بأخرى في الوضع الذي تعيشه رداءة كان أو فسادا، فالموقف لا يبرر، لأن من اشتغل أكثر من ثلاثين سنة في مؤسسة ما، لا يحق له أن ينتقدها في اليوم الموالي لتقاعده، من هؤلاء الأساتذة من مارس الإدارة ومنهم من كان عضوا أو رئيسا للهيئات العلمية محليا ووطنيا، كلهم استفادوا بصورة أو بأخرى مما يمكن وصفه بالامتيازات التي تمنحها الجامعة الجزائرية-تذاكر السفر للخارج، التربصات القصيرة والطويلة والعطل العلمية وما يعرف بالسنة السبتية، الكثير منهم استفادوا من التسهيلات الخاصة بالترقيات وتيسير نشر أعمالهم ..الخ، دون أن نتحدث عن أنواع أخرى من الامتيازات المشروعة وغير المشروعة.
الغريب في الأمر، أن هؤلاء الذين يلعنون الجامعة الجزائرية -التي لا تنتج غير الرداءة في نظرهم ولا تكرس إلا الفشل- تراهم يهنئون طلبتهم وزملاءهم وأبناءهم الذي يتحصلون على شهادات عليا، أو الذين ينتجون أعمالا جديدة أو يصدرون كتبا وبحوثا في الجزائر أو في الخارج، أو يتوجون بجوائز محلية أو عالمية، وكأن هذه الإنجازات أنجزت في دول أخرى أو في كواكب غير الكوكب الذي نعيش فيه، أو ليست هذه منتجات الجامعة الجزائرية التي لا تنتج إلا الرداءة؟. الجامعة الجزائرية أنتجت ولا تزال تنتج إطارات متميزة، باحثون ومفكرون يشتغلون ينتجون، يترجمون، يبدعون، يكرمون ويتوجون بجوائز في كثير من البلدان التي تعرف قيمة العلم وتعترف لأهله، يكفي ذكر آلاف الأطباء الجزائريين الموجودين حاليا في المستشفيات الفرنسية لوحدها، أغلبهم منتوج الجامعة الجزائرية وما قيل عن الأطباء ينطبق على الكثير من التخصصات.
الكل يعلم أن الجامعة الجزائرية ليست بخير، وحالها- في الحقيقة من حال الجزائر ككل- فالجامعة ليست جزيرة معزولة عن غيرها من المؤسسات والقطاعات، ومادامت كل المؤسسات وكل القطاعات تعاني من مشكلات متعددة الجوانب، فلا ننتظر أن تشذ الجامعة عنها، الجامعة عينة من المجتمع الجزائري فيها كل الأنماط البشرية المتواجدة في المجتمع؛ فيها النشيط والجاد والكفء وفيها ما دون مراتب وأصناف عديدة متحرجة نحو الأسفل، وهذا أمر طبيعي جدا، بل حتى الجامعات العريقة ليس كل أساتذتها حائزين على جائزة نوبل أو بنفس الدرجة من العلم والعمل، الجامعة الجزائرية مؤسسة لها تاريخ، وتاريخها صنعته متغيرات سياسية واقتصادية واجتماعية وعلمية، داخلية وخارجية، عوامل متعددة منها الموضوعي ومنها الذاتي، مرت عليها القرارات الواعية المدروسة والقرارات الارتجالية الظرفية، كل ذلك أسهم بصورة أو بأخرى في توجيه طرق التكوين وأولويات فتح التخصصات وكذا الهياكل الجامعية، وتعيين المسؤولين في مختلف مفاصل الجامعة، والتوظيف وتوزيعه على مختلف المناطق، والتقييم للبرامج وللإطارات والتغييرات الجذرية، كالتعريب، أو الانتقال من النظام الكلاسيكي إلى النظام الجديد ل م د .
كون الجامعة في وضع غير جيد بصورة عامة، لا يعني أنه لا توجد بها كفاءات متميزة وأساتذة أكفاء مشهود لأبحاثهم على المستوى العالمي قبل المحلي، كما أن وجود النقائص لا يعفى المنتسبين إليها من المسؤولية كل من مكانه وحسب قدراته من جهة أولى، ولا يعطيهم الحق من جهة ثانية للعنها أو وصفها بالرداءة وو..الخ. بدل اللعن والسب الذي قد يهين المهين قبل المهان، لماذا لا يكون الاهتمام منصبا على الاقتراح وتقديم البدائل والحلول؟ خاصة أن هؤلاء الأساتذة –اللاعنون- يعرفون جيدا الجامعة وما تعانيه من مشكلات حقيقية؛ يعرفون البرامج وما فيها من خلل، يعرفون طرق التدريس وما فيها من ملل، يعرفون مشكلات النشر في المجلات المصنفة ومعاناة الطلبة والباحثين المقبلون على مناقشة أطروحاتهم أو تقديم ملفات الترقية لرتب أعلى، …ويعرفون العجز الكبير في التأطير من قبل الأساتذة الدائمين، ويدركون مشكلات التأطير من قبل طلبة الدكتوراه المشتتين بين إنجاز الأطروحة ونشر المقال والمشاركة في التظاهرات العلمية ويكلفون بالتدريس مجانا، يعرفون حال قاعات ومدرجات التدريس، يعرفون حال الأساتذة غير المتحصلين على سكنات ويشتغلون خارج مقرات سكنهم….الخ. الأساتذة -خاصة ذوو الخبرة الطويلة- هم أدرى الناس بحال الجامعة من الداخل، وهم أقدر الناس على الاقتراح المفيد والفعال لحلحلة الأمور نحو الأفضل، مشكلات كثيرة تعانيها الجامعة الجزائرية، مثلما تعانيها الجامعات في الدول التي حالها من حالنا لا سيما في المنطقة العربية، مشكلات الجامعة لن يحلها غير المنتسبين لها، لذلك يكون الأجدر بهؤلاء أن يتحول اهتمامهم من اللعن إلى الاقتراح ولو من باب إبراء الذمة، والنقد البناء القائم على إعطاء البدائل لفرص التغيير نحو الأحسن.
للإشارة فقط، فإن ثقافة اللعن في الجزائر لا تقتصر على الجامعة وأهلها، ففي مختلف القطاعات تسود فكرة “نلعب وإلا نصمط”، بعضهم شارك في جائزة أدبية وهو يعلم الجهة المشرفة عليها، ويعرف أعضاء لجنة التقييم وطريقة اشتغالها، فلما تم استبعاده من التتويج صب جام لعناته على الجائزة ولجنة تحكيمها، نفس الشيء في المنافسات الرياضية، الفرق التي تتقهقر في الترتيب نتيجة سبب ما، تلعن الرابطة أو الاتحادية أو الوصاية.
ثقافة اللعن لن تجدي نفعا، ولن تزيل بؤسا، بل ستسرع الخراب الأعظم، بينما إشعال شمعة أحسن من التفنن في لعن الظلام.

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
0 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 0%
3 Stars 0%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: