الشيخ عبد الرحمن السعيدي ( 1880م- 1931م)

أنت هنا:

بقلم: فوزي سعد الله

وُلد الشيخ عبد الرحمن السعيدي، كما يُعرف في الوسط الفني في تاريخ غير معروف بدقة ولوأنه يرجح أن يكون خلال عقد السبعينيات أو الثمانينيات من القرن 19م في مدينة مَسْعَدْ القريبة من ولاية الجلفة الواقعة على أبواب الصحراء الجزائرية. ويحدد الباحث في الموسيقى عبد القادر بن دعماش تاريخ ولادة الشيخ السعيدي بسنة 1880م.
ما لا يعرفه الكثير من الفنانين وهواة الطرب الأندلسي هو أن اسمه الحقيقي الكامل هو رَغَّايْ عبد الرحمن. ويُعد ظاهرةً شبهَ فريدة من نوعها في الوسط الموسيقي الحضري لمدينة الجزائر خلال نهاية القرن 19م والعقود الأولى من القرن 20م.
كان ظاهرة نادرة، لأن العادة جرت أن يكون الفنانون المختصون في “الصنعة”، أي الموسيقى الأندلسية حسب أسلوب مدينة الجزائر، من عائلات عريقة في في هذه المدينة سواء كانت من أصول أندلسية أو عثمانية أو “عربية” أو حتى بربرية أو على الأقل من الأسر الحضرية القريبة من المدينة العتيقة من تلك التي استقرت في الفحص أو في المدن الصغيرة والمتوسطة المجاورة كمدينة البُليدة ونادرا من حواضر أخرى مثلما هو شأن شاؤول دوران المعروف بـ: المْعَلَّمْ موزينو الذي جاء إلى مدينة الجزائر من مدينة قسنطينة وإلى فن “الصنعة” من فن “المالوف”.
أمَّا أن يكون الفنان من الجنوب، من الصحراء تقريبا ويكون في نفس الوقت نجما لامعا من نجوم الغناء الأندلسي حسب الأسلوب المحلي العاصمي بل ومتوفقا على غيره، فهذا ما لم يكن يحصل كل يوم.
ويرجح بعض العارفين بالوسط الفني الأندلسي في مدينة الجزائر أن كونه “بَرَّاني”، كما كان يُقال آنذاك لكل غريب عن المدينة العتيقة، قد شكل حاجزا أمام إمكانية الاعتراف به كخليفة للشيخ محمد بن علي سفنجة رغم أنه كان من أنجب تلامذته إن لم يكن أنجبهم على الإطلاق ورغم اعتراف بعض الهواة والمحترفين له بقدراته الموسيقية العالية. ويُقال إنه كان يحلم بتبوأ هذه المرتبة على رأس الموسيقى الحضرية لمدينة الجزائر ولم يكن يُخفي ذلك.
لا يُعرف شيئا عن طفولة عبد الرحمن السعيدي في منطقة الجلفة وعن حياته السابقة لحلوله بمدينة الجزائر واستقراره بها والظروف التي قادته إليها. وحسب عبد القادر بن دعماش، تكون أسرة هذا الفنان الكبير قد حطت رحالها في قصبة الجزائر سنة 1890م. واستفاد خلال طفولته من قسط من التعليم انطلق من المدارس القرآنية كما جرت العادة لدى كل الجزائريين آنذاك قبل أن ينتقل إلى المدارس الحكومية التي كانت تقع تحت سلطة إدارة الاحتلال الفرنسي. حفظ الطفل عبد الرحمن القرآن عن ظهر قلب ثم أصبح حَزَّابا ليرتقي إلى مرتبة قَصَّاد في الجامع الكبير بمدينة الجزائر.


وكانت هذه الفترة من حياته مدخلا إلى الموسيقى الحضرية المحلية لأن الإنشاد والذِّكر والمدائح التي كان الفتى يمارسها في الجامع الكبير كانت أشعارا مُركَّبة على ألحان من التراث الأندلسي وبأداء لا يختلف عن أساليب أداء شيوخ الطرب الدنيوي من النوبة الأندلسية الكلاسيكية إلى العروبيات والقادريات والحوزيات وغيرها.
ومن المدائح والذِّكْر والمولديات في الجامع الكبير، سوف تكبر طموحات الفتى عبد الرحمن وتنتقل إلى الألحان والأغاني الدنيوية التي سرعان ما سمح له والداه بتعلمها من الشيخ محمد بن علي سفنجة، أكبر شيوخ وأقطاب الطرب الأندلسي في إقليم مدينة الجزائر خلال تلك السنوات الأخيرة من القرن 19م، مثلما تعلم منه أصول العزف على آلة القويطرة التي رافقته خلال مشواره الفني الذي دام نحو أربعة عقود. كما أخذ السّْعِيدي بعضَ معارفه الموسيقية من المْعَلَّمْ اليهودي مُوزِينُو الذي كان هو الآخر من تلامذة الشيخ سفنجة.
وإذا كانت هذه المرحلة من حياته قد بقيت غامضة حتى الآن لندرة المعلومات عنها، فإن أخباره تصبح أكثر وضوحا منذ المرحلة التي بدأ يُجالس فيها الشيخ محمد بن علي سفنجة في المقاهي العربية في قصبة الجزائر عازفا على آلة القويطرة المحببة إلى قلبه والتي كانت رفيقه الدائم حتى عندما لم يكن يملك ثمنها وتضطره الظروف إلى استعارتها من الزملاء والأصدقاء لإحياء السهرات والحفلات.
كان الشيخ السعيدي عازفا ممتازا على آلة القويطرة، التي تُعد الصيغة الجزائرية للعود الشرقي وإن كان بعض الباحثين يرى فيها آلة أنتجتها العبقرية الموسيقية الأندلسية المغاربية بشكل عام. وكان حاضرا في كل مجالس الموسيقى والغناء في مدينة الجزائر دنيوية كانت أو دينية. فهو موجود في مقاهي مالاكوف في جوق الشيخ محمد بن علي سفنجة وفي قهوة العرايش، المعروفة خلال العقود الأخيرة بـ “قهوة العريش” في مرتفعات المدينة قرب الباب الجديد، وفي قهوة بوشعشوعة وغيرها من هذه الهياكل التي كانت ترعى الموسيقى والغناء وتقدم خدمة جليلة لحفظ التراث الأندلسي من الاندثار. كما كان ممكنا في نفس الوقت مصادفة الشيخ السعيدي خلال المناسبات الدينية ضمن مجموعات الذِّكْر والتلاوة والتجويد والمدح النبوي التي تُعرف محليا بـ: “الحضرة” في ضريح سيدي عبد الرحمن الثعالبي وضريح الوليِّ دَادَة المُحَاذِي له.
وعلى كل هذه الجبهات الفنية، كان الفنان السعيدي يخدم فنه بتفاني بصوته الذي يُقال إنه كان من أجمل ما توفرت عليه مدينة الجزائر في تلك الفترة من التاريخ، وأيضا بآلته وبنصائحه ودروسه النظرية والتطبيقية الكريمة للراغبين في التعلم.
وإذا بقى تاريخ التحاقه بجوق الشيخ محمد بن علي سفنجة والظروف التي تمّ فيها تبنيه فنيًّا مجهولِين، فإن التاريخَ، بمعناه الأوسع، حفظ لنا أن الشيخ السعيدي كان من أبرز أعضاء فريق سفنجة الفني إن لم يكن أكثرهم كفاءة على الإطلاق، عِلما أن الشقيين حشلاف يعتبرانه في كتابهما حول تاريخ الموسيقى العربية خليفةَ الشيخ محمد بن علي سفِنجة عن جدارة بعد وفاة هذا الأخير، وكان مُحاطا حينها بكُلٍّ من الشيخ أحمد السَّبتي والشيخ زَيْبَقْ( ). وحفظ لنا أيضا أنه كان ضمن تلك الطليعة الفنية التي صنعت النهضة الموسيقية في مدينة الجزائر خلال العقود الأولى من القرن 20م والتي كانت تتشكل من كلٍّ من المْعلَّم شاؤول دوران المعروف بـ: “موزينو”، لاهو أو إلياهو صرور، شالوم الضرير، اللجام، ويافيل من اليهود، والشيخ الشريف، ومحمد بن التفاحي والمفتييْن محمد بوقندورة ومحمد بن قبطان وآخرين من المسلمين.
وكان السعيدي فوق كل ذلك متحكما في ناصية التقاليد الموسيقية الغنائية الحضرية لمدينة الجزائر المعروفة بـ: فن “الصنعة” بكل ما انبثق عنها من أنواع أخرى حضرية أو نصف حضرية كالعروبي والزنداني والحوزي والقادرية…إلخ. مثلما كان عميق الاطلاع أيضا على القصائد المغاربية الشائعة في عهده في مختلف الأغراض من الغزل والمجون إلى المدح النبوي وقصائد المواعظ والحكمة. إلا أن القدر أو ربما حظه التعيس (؟) لم يُلاقيه بأشخاص نافذين من نخبة مدينة الجزائر وأثريائها الذين يُعَبِّدُون له الطريق ويُيَسِّرون له الاندماج في وسطها الاجتماعي الثقافي من أمثال الثريّ عزيز الأكحل الذي ذهب إلى حد أنه أهدى الفنان موزينو سيارةً ليُسهِّلَ تنقلاتَه وجولاتِه الفنية، حسبما كان يتردد آنذاك، بينما لم يجدْ عبد الرحمن السعيدي حتى مَنْ يشتري له آلة القويطرة بسبب فقره. ويُذكر أنه لم يكن يعثر بسهولة على المتطوعين الذين يعيرونه قويطراتهم بسهولة، إذ كان بعض الفنانين يرفضون مساعدته عادة بأشكال ملتوية.
ورغم تواضع وضعه الاجتماعي، لم يكن يبخل بمعارفه الموسيقية على طالبيها ولم يحولها إلى سجل تجاري كما فعل البعض ومازالوا يفعلون. وكوَّن عددا كبيرا من التلاميذ الذين قصدوه للتعلم، من بينهم الحاج مْحمَّد العنقاء.
في 1915م، اختار الشيخ السعيدي الارتحال إلى مدينة تلمسان حيث عاش حوالي 7 سنوات. وارتبط خلالها بصداقات قوية مع فنانيها على غرار الشيخ العربي بن ساري وشقيقه عبد السلام بن ساري، الفنان التلمساني المتخصص في المدح وما كان يُعرف بـ: “الغربي”، والإخوة البخشي: عمر وحسن وبن عودة. وكانت هذه المرحلة من عمر الفنان السعيدي ثرية بما تَعلَّمه وعَلَّمه لأصدقائه التلمسانيين حيث كان، مثله مثل الشيخ محمد بن التفاحي، جسرا ثقافيا ساهم في انفتاحِ أهل “الغرناطي” وأهل “الصنعة” على بعضهما البعض وتَبَادُلِ الأشعار والألحان لإثراء تراث مدينتي الجزائر وتلمسان على حد سواء. وهذا ما جعل العاصمة الجزائرية تتفاجأ عندما عاد إليها سنة 1922م بتحوُّلِه إلى أحد أكثر الأقطاب الموسيقية المحليين ثراءً وغزارةً من حيث ما كانت تتضمنه ذاكرته وكُنّاشاته من قطع غنائية تراثية متعددة الجذور الجغرافية والتي لم تكن بمتناول كل مَن هبَّ ودبَّ من الفنانين.
توفي محمد بن علي سفنجة، أستاذ عبد الرحمن السعيدي، سنة 1908م، ثم مات المعلم شاؤول دوران المدعو موزينو، الشيخ الثاني للسعيدي سنة 1928م، فترك رحيلهما فراغا كبيرا على الساحة الموسيقية في إقليم العاصمة الجزائرية.
وكان الشيخ السعيدي من بين القلة القليلة التي كانت تملك مفاتيح الغناء والطرب المحلييْن الضرورية لسد بعض هذا الفراغ. خلال تلك الفترة، أسس فرقته الموسيقية الخاصة به التي جمعت أبرز اصدقائه وأخلصهم على غرار الفنان عمر زَمُّورِي ودحمان زَايْكَة. وكان هذا الجوق يقدم خلال السهرات التي كان يحييها في مدينة الجزائر عروضا موسيقية نوعية يُبدع فيها العازفون بآلاتهم ويكشف خلالها الشيخ السعيدي بانضباطه في احترام القواعد الصارمة في أداء التراث الموسيقي الأندلسي وغزارة الأغاني والأنواع التي كان يحفظها ويجيدها بإتقان كل يوم عن قدرات فنية عالية وعن علاقة حميمية جدا مع آلة القويطرة التي كان يعرف كيف يخرج كل ما يوجد في أحشائها من جمال. كما كان صوته العذب المتميز يزيد في كل سهرة يحييها من مكانته على الساحة الفنية المحلية ويُدعِّم مركزه كأحد كبار فن “الصنعة” وما تفرع عنه من أنواع موسيقية أخرى في مدينة الجزائر و فحوصها وأحوازها القريبة. وبفضل اطلاعه الواسع على الشعر الشعبي المغاربي بشكل عام وحبه للملحون، لمع الشيخ السعيدي في مجال المدح والعروبي بشكل خاص إلى درجة أنه كان أحد الروافد الأساسية التي نهل منها الحاج مْحمَّد العنقاء، الشيخ الأكبر لاحقا في مجال الغناء “الشعبي”، معارفه الموسيقية-الغنائية، وذلك بعد وفاة الشيخ مصطفى الناظور سنة 1926م.
بعد السنوات السبع الثرية من إقامته في تلمسان، عاد الشيخ السعيدي إلى مدينة الجزائر حزينا مكسورا وفاقدا حتى للرغبة في الاستمرار في الحياة بشكل غريب وخطير أثار انتباه وتعجُّب الذين كانوا يعرفونه.
وانطوى السعيدي لفترة طويلة نسبيا على نفسه في بيته يتفادى ملاقاة الناس. وكانت ظروفه النفسية والمعيشية صعبة، ولم يجد من يخفف عنه أثقال همومه وأحزانه. وانتهت هذه الفترة الحالكة من حياته إلى فاجعة كبيرة أصبحت حديث العام والخاص في مدينة سيدي عبد الرحمن الثعالبي طيلة عقود وإن خفتَ اليوم صداها ولم يعد يعرف تفاصيلها إلا القليل من محترفي الغناء الأندلسي في المدينة.
وهكذا، أدى ضيق العيش والحظ التعيس وصعوبة الاندماج في الوسط الحضري لمدينة الجزائر بسبب عنصرية البورجوازية المحلية التي كانت تسيطر على مقاليد الحياة الاجتماعية والثقافية الأهلية ورفضها الانفتاح على العنصر “البَرَّانِي” إلى انتهاء الشيخ عبد الرحمن السعيدي إلى طريق مسدود وسقوطه في يأسٍ قاتلٍ دفعه إلى محاولة انتحار أولى فاشلة بإلقاء نفسه من شرفة بيته الواقعة على الطابق الثاني قرب “ساحة شارتر” (Place de Chartre) في القصبة السفلى في شهر يوليو/تموز 1931م ثم إلى محاولة ثانية، بعد بضعة أيام فقط من المحاولة الأولى، أودت بحياته: كان الفنان جالسا قبالة فندق “السفير” بوسط مدينة الجزائر، الذي كان يُسمى حينذاك فندق “أليتِّي”(Aletti) يتأمل البحر، وفجأة “سقط”، كما يفضل القول الذين لا يهوون نبش جراح الماضي، إلى أسفل شارع زيغود يوسف حيث محطة القطار المركزية. قيل إنه كان مخمورا ولم يتحكم في توازنه، لكن الغالبية العظمى من معاصريه والعارفين بمسار حياته يؤكدون أن الشيخ عبد الرحمن السعيدي ترك نفسَه “يسقط” إلى أسفل عمدًا وانتحر لتنتهي بوفاته في يوم 05 أغسطس 1931م، وهو في الحادية والخمسين من العمر، مغامرة فنية كبيرة وتجربة فريدة ومليئة بالتحديات. ولا شك أن الشيخ السعيدي راح ضحية ذلك القانون الذي يُعبِّر عنه المَثَلُ الشعبي في مدينة الجزائر ذاتها بهذه الصيغة: “المَالْ يْعَيَّطْ (بمعنى يُنَادِي Ndlr) للْمَالْ والقْمَلْ يْعَيَّطْ للصِّيبَانْ”، أي أن الثراء يصاحب الثراء، ولا يصاحب الفقرَ إلا الفقر. وبوفاته دُفن معه سرَّ انهياره المفاجئ الذي لم يفهم أقرب المقربين إليه سببه…”.

فوزي سعد الله: صفحات مجهولة من الغناء الاندلسي… دار قرطبة. الجزائر 2011م.

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
0 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 0%
3 Stars 0%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: