الرئيسية / قاعدة بيانات الجزائر - Article / المياه والآبار في مدينة الجزائر المحروسة في عهد الأخوين عروج وخير الدين برباروسة

المياه والآبار في مدينة الجزائر المحروسة في عهد الأخوين عروج وخير الدين برباروسة

أنت هنا:

بقلم: فوزي سعد الله

عندما حل الأخوان عروج وخير الدين بربروسة في منتصف العشرية الثانية من القرن 16م بالبلاد، لم تكن مدينة الجزائر تملك القنوات المائية والقناطر الكبيرة التي تنقل الماء من الينابيع والآبار من الفحوص الى المدينة على مدى كيلومترات لتسدً حاجات السكان اليومية.
جزائر بني مزغنة حينذاك كانت مدينة صغيرة أقرب إلى القرية من حيث عدد السكان ومن حيث هياكل والعمران. لذلك كانت ترتوي بشكل رئيسي من بضعة عيون كعين المرسى العتيق الموجودة الى اليوم عند مدخله ومن الآبار العامة داخل المدينة وعلى اطرافها ونظيراتها الخاصة في الدّيار…

لكن الدور الجيوسياسي الاقليمي الذي كان ينتظر البلاد بتحالفها مع الباب العالي عجّل بنمو مدينة الجزائر الديمغرافي والاقتصادي الاجتماعي وبتوسعها العمراني لتصبح عاصمة البلاد، لا سيما بعد حلول امواج كبيرة من المهاجرين واللاجئين والمطرودين المسلمين من الأندلس على مراحل بين القرن 15م والقرن 17م…

ندر الماء في المدينة العاصمة بالنظر الى الحاجات المتزايدة إليه في تلك السنوات الأولى من القرن 17م لارتفاع عدد سكانها والمترددين عليها من مختلف بقاع الأرض، لكن المهندسين والبنائين، لاسيما الاندلسيين/الموريسكيين، سرعان ما عالجوا هذه الأزمة القاسية. وكان الرد بانشاء قناطر المياه والقنوات النعرات والطواحين المشابهة لتلك التي كانت تروي القصور والحمامات والعيون فوق تلة الحمراء وفي الببازين في غرناطة المسلمين، وبتجديد الهياكل القديمة وتوسيع طاقاتها، وبناء العيون بالعشرات داخل أسوار المدينة، على غرار عين الشارع وعين بئر شَبّانة وعين بئر الجباح وعين السَّبَاط والعين الحمراء والعين المزوّْقة وعين سيدي رمضان وعين سيدي محمد الشريف، وخارجها في الفحوص القريبة كعين الربط وعين الحامة وعين باب عزون عند باب المدينة فوق القنطرة المؤدية إليه.

لكن المدينة التي كانت في حرب دائمة ومفتوحة مع الامم الأوروبية على مدى اكثر من 3 قرون، لم يكن مهندسوها وإسنراتيجيوها العسكريين والحُكام سُذّج للاعتماد فقط على مصادر المياه الواقعة خارج اسوار المدينة والتي قد تقع خلال ايّ هجوم عدواني او حصار أوروبي تحت سيطرة الأعداء الذين يسهل عليهم مساومة اهل البلد بالماء. لذلك كانت الغالبية الساحقة من مشاريع بناء الديار والقصور والهياكل الدفاعية العامة، إن لم تكن كلها، تأخذ ذلك في الحسبان تحفر في كل منها بئرا خاصا بالدار او القصر أو الثكنة او القلعة، أو على الاقل جبًّا، وفي الكثير من الأحيان كان المهندسون والبناؤون ينجزون البئر والجبّ معًا في الدار الواحدة تحسب للطوارئ. وفي العديد من الحالات، كان نظام هندسي يربط هذه الهياكل المائية ببعضها لتصريف المياه الفائضة عن الحاجة منها وإليها. وقد بقيت هذه الآبار في ديار مدينة الجزائر العثمانية الى اليوم ولو أن لم يبق الكثير من ابنائها مسؤوليها ونُخبها المتخصصة يهتمون بها ويصلح ما أفسده الدهر بها ويتعلمون من ذكاء نظامها…
هذه الديار والقصور الذكية كان بئرها وجبّها يتغذى من المياه تحت الأرض ومن المياه فوق الأرض التي هي مياه الأمطار.
سطوح هذه البنايات تم تصميمها بما يؤدي الى عدم ضياع مياه الامطار وبالتالي بها في قنوات دينية داخل جدران الديار تربط السطوح بالجب والابار.
من غريب هذه الآبار، التي كانت وما زالت صامدة في الافنية، أو ما يُسمى شعبيًا عندنا بـ: “وَسْطْ الدار” المحاط بالاقواس والسواري داخل القصور والديار، ظاهريا على الأقل ان مواقعها في الفناء غير منتظمة ولا تخضع لقاعدة عامة. هذه الآبار قد توجد في وسط “وسط الدار” أو في ركن من أركانه الأربعة او في ايّ مكان في احد الاروقة خلف الأقواس والسواري بل وحتى داخل الغُرف في زاوية من زواياها. وهذا ما احتار في فهم سببه الى وقت قريب الكثير من الخبراء…
لكن النظرة الشاملة لمواقع هذه الابار من علٍ (انظر الرسم البياني المرفق مع الصّوَر)، كشفت انها تقع جميعها على خط هندسي، او محور، واحد، مما يوحي بانها أُنجزت على خطوط مجاري مياه جوفية أو انهار صغيرة وسواق، لا سيما في المنطقة الشمالية من المدينة من غربها في دار السلطان الى باب الوادي وقع السور مرورا بحومة بئر الجب وبئر شبانة وسيدي رمضان…

ورغم ان المدينة في منطقتها العليا المسماة بـ: الجبل” ترتفع عن سطح البحر بنحو 60 الى 100 متر حسب ألبومات وطوبوغرافيتها، الا ان هذه الآبار ليست بكل هذه المسافة من العمق الذي يتطلبه مبدئيا الحفر للوصول الى المياه في اسفل الارض. وهكذا فإن عمق هذه الآبار الموجودة بالقصور والديار يتراوح غالبا فقط بين 6 امتار إلى 12 مترا…مؤشرا على ذكاء هندسي قوي ومستوى علمي حضاري يتعب الفكر الاستعماري منذ القرن 19م وحتى قبله وضحايا من اهالينا في تجاهله وتقديمه وحلفائه… لكن الآبار موجودة الى اليوم وتتحدث عن نفسها بنفسها وما زالت تُدهش الأمناء من المهندسين المعماريين وخبراء العمران من مختلف بقاع العالم الذين زاروها وتفقدوا خباياها وسوريا اغوارها…وما زالت بعض أسرارها تنتظر قدرات اكبر على الاستكشاف…

ومثلما يخضع كل نمط التعمير والبناء في مدينتنا العاصمة العتيقة لمبدأ إسلامي نابع من الحديث الشريف “لا تحجب الشمس عن جارك”، مما جعل كل ديار وبنايات المدينة التاريخية تنعم بمنظر جميل مريح مفتوح على الشمس والبحر بزاوية تفوق أحيانا 180 درجة وهو ما لا تتوفر عليه بنايات المدينة المسماة عصرية الا في حالات محدودة، فإن هذه الآبار العتيقة لا تختلف من حيث منطلقها الروحي الإسلامي الأخلاقي في إقامة العدل واحترام الجار والجوار وفق مبدأ “‘لا ضرر ولا ضرار”.

هذه الآبار تأخذ بعين الاعتبار مصالح وحاجات كل السكان و الديار الى الماء سواسية في بلد ومدينة كان وما زال شعارها، على الاقل مبدئيًا: اللي ما يصدقش الما يموت اعمى”.

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: