الرئيسية / قاعدة بيانات الجزائر - Article / جامع الجزائري الذي أرعب السلطان العثماني …الأميرال علي بتشين

جامع الجزائري الذي أرعب السلطان العثماني …الأميرال علي بتشين

أنت هنا:

بقلم: فوزي سعد الله

الشخص الذي مَوَّل بناء هذا المسجد العتيق لم يكن شخصا عاديا..، لقد كان يسبح في الثراء ويملك من الجاه ما لم يجعله يتصور أبدا أن هذا العمل الخيري لِوَجْه الله سيستولي عليه الفرنسيون ذات يوم ليعبثوا به كما يشاؤون…

بين ساحة الشهداء وثانوية الأمير عبد القادر بالعاصمة، توجد وسط شارع باب الوادي بناية صغيرة تعلوها بضعة نوافذ ومئذنة تبدو غريبة من حيث الشكل والارتفاع المحدود، فلاهي تشبه المسجد تماما ولا هي تشبه بقية ديار وقصور القصبة، لكن على مدخلها وضعت السلطات المحلية إشارة إشهارية كتب عليها: “آثار ومناظر”، وبالبنط العريض في الأسفل: جامع علي بتشين.
يعد هذا المسجدُ الوحيدَ في القصبة الذي بُني فوق محلات تجارية ويتميز عن غيره بهندسة معمارية فريدة، بحيث ترتفع به قاعة الصلاة عن سطح الأرض بحوالي 5 إلى 6 أمتار، لتفسح المجال لقيام نشاط تجاري أسفلها عبر عدد من المحلات. محلات من بينها حمّام معروف استمر وجوده إلى غاية السنوات الأولى للاحتلال على الأقل. ويعتقد الباحث الإسرائيلي تال شوفال (Tal Shuval) بأنه بني على موقع سجن أو قصر قديم… و مهما بدا هذا الجامع اليوم متواضعا للعيان، فإنه يبقى مع ذلك من أقدم وأوسع وأجمل مساجد “البهجة” لولا التشوهات المتتالية التي تعرض لها عبر التاريخ. وعلى غرار عدد من جوامع ومساجد مدينة الجزائر العتيقة، اشتهرت هذه البناية الدينية بالعين المحاذية لمدخلها وهي “عين الشارع”، كما كانتْ تُسمَّى في العهد العثماني وحتى بدايات القرن 20م، التي تقابل نظيرة لها وأصبح الحي بأكمله يحمل اسميْهما منذ عقود على الأقل: حومة الزوج عْيون…

الشخص الذي مَوّل بناء هذا المسجد العتيق لم يكن شخصا عاديا، لقد كان يسبح في الثراء، كان يملك قصرين فاخرين بمدينة الجزائر، حوالي 500 عبدا، وعددا آخرا من العبيد والخدم موزعين بين العمل في التجديف على سفنه وزوارقه العديدة والنشاط الفلاحي في ضيعاته وبساتينه. ولا ضرورة للانزعاج أوللخجل من عبارة “العبيد” لسبب بسيط يتمثل في كون الكثير من المسيحيين كانوا يفضلون العبودية في الجزائر على العيش أحرارا في بلدانهم، حتى أن عددا منهم رفضوا العودة من حيث أتوا عندما جاء من بلاد النصارى من يَفْديهم بالمال ويعيد لهم حربتهم. وباختصار، لقد كانوا في بعض الأحيان أكثر حرية وأكثر نعيما من أهل البلد أنفسهم.
عندما كان بتشين يتكلّم باللغة العربية كانت لَدْيَه لكنة أعجمية غريبة عن الجزائر. السبب..؟ لأنه قبل حلوله بها كان إيطاليًا، وذلك قبل أن يقع أسيرا في قبضة البحرية الجزائرية. ولا شك أنه يكون قد حمد الله طوال حياته على هذه “المصيبة” النعمة المباركة التي حولته من لاشيء إلى أحد أهم وأقوى وأغنى الشخصيات السياسية-العسكرية في العالم بين 1630 و1646م بعد أن تخلى عن المسيحية واعتنق الإسلام.
بيتشيني (Piccini)، أو بيتشينيني (Piccininni) حسب مصادر أخرى، أصبح في ظرف سنوات “وْليدْ البلاد” بأتم معنى الكلمة ومن وجهاء مدينة سيدي عبد الرحمن، لكن في “طبعة جديدة” دخل بمقتضاها حتى اسمه في الإسلام وتعرّب فأصبح: علي بتشين. ثم ارتقى في سُلَّم الرتب العسكرية البحرية الجزائرية التي أصبح من كبار مجاهديها إلى أن تَولَّى قيادتها العامة في النصف الأول من القرن 17م وحاز على لقب “الرايس” علي بتشين الذي يعادل “الأميرال” في العصر الحديث. وأصبحت ترتعد لذكر اسمه مدن وقرى بلدان جنوب أوربا الساحلية المطلة على البحر المتوسط والمحيط الأطلسي.. بل وحتى السلطة المركزية نفسها في الباب العالي.
تزوج الرايس علي بتشين من إحدى بنات سلطان جبل “كوكو” ودعَّم بالتالي نفوذه بتعاطف وتضامن منطقة القبائل معه بفضل المصاهرة. وهو لم يبدع في شيء بقيامه بمثل هذه المبادرة لأنها كانت موضة العصر في مجال التحالفات السياسية. ألَمْ يتزوج خير الدين بربروس نفسه من امرأة جيجْلِية عند حلوله بجيجل لمساعدة أهلها؟ ألم يصاهر صالح باي بن مصطفى “باي البايات”، الذي “قالوا العْرَبَ” “ما نَعْطوهْ هيهات”، آل المقراني في مجّانة ببرج بوعريريج وهو في نفس الوقت صهر الباي، الذي سبقه على بايلك قسنطينة، سي أحمد القُلّي..؟
أصبح بتشين إذن بمصاهرته لسلطان كوكو الرجل الأقوى بامتياز في “دار الجهاد” الذي تحدى السلطان العثماني وأثار ارتباكه إلى الحد الذي دفع بهذا الأخير إلى إرسال كوموندو خاص إلى الجزائر ليأتيه برأسه في 1644م… لكن دون جدوى. كيف؟ هذه القضية ترجع إلى خلاف وقع بينه وبين الداي بلغ درجة من التعقيد استدعت تدخل الباب العالي… غير أن السلطان أساء تقدير قوة بتشين ونفوذه، وبالتالي بمجرد حلول مبعوثيه بالمرسى كان الأميرال يُحضِّر ضربته دون اكتراث… ولما شعر الكوموندو المُكَوَّن من عَوْنَيْن بالخطر من الفخ المهيأ لهما، لجآ إلى ضريح سيدي عبد الرحمن، بنصيحة من الداي والديوان، للاحتماء من بطش الأميرال والاستفادة من حصانة مقام الوليّ الصالح، وبقيا بداخله طوال عدة أيام حتى هدأ غضب علي بتشين وأعطاهما “الأمان”.
لم ينته مسلسل عصيان بتشين عند هذا الحد، بل سرعان ما قاد انقلابا عسكريا بمساعدة بعض قبائل فليسة، لم يُكتب له النجاح، ضد باشا الجزائر الذي عينه السلطان، ودخل في تمرد ومواجهة صريحة ضد هذا الأخير إلى أن…اغتيل مسموما، حسب عدد من المصادر التاريخية، في بداية خمسينات القرن 17م. ومع ذلك أُقيمَتْ له جنازة فخمة وضخمة تليق بمرتبته لم تشهد مدينة سيدي الثعالبي مثلها أبدا.
لم ينس علي بتشين، رغم طموحاته السياسية في الاستيلاء على الحكم، ككل السياسيين الجزائريين الذين سبقوه والذين خلفوه إلى يومنا هذا، أن يعمل لآخرته كما يعمل لدنياه، فبنى المسجد الذي لازال يحمل اسمه إلى اليوم بالقرب من ساحة الشهداء بمفترق طرق شارعي باب الوادي والقصبة، على مساحة 500 متر مربع، والذي كان قمة في الفن والجمال… لذا يبدو أن “هواية” تدشين المساجد في الجزائر المعاصرة ليست سوى صيغة مكيفة للسُّنة التي بدأتها الأجيال السياسية العتيقة من باب “أعمل لآخرتك”…!!.
انتهى علي بتشين من إنجاز مسجده الذي بعث البهجة والامتنان في قلوب أهل المدينة في سنة 1622، وبقي شاهدا على مآثره بعد وفاته وشامخا بمئذنته العالية التي سيضع الاستعمار الفرنسي حدا لشموخها بتقليص ارتفاعها من 15م إلى بضعة أمتار وتشويه شكلها تشويها جذريا في سنة 1860.
فرنسا “حقوق الإنسان” و”المهمة الحضارية” لم تكتف فقط بالمئذنة، بل حولت منذ 1830 هذا المسجد الأصيل إلى الصيدلية المركزية لجيش الاحتلال قبل أن تلحقه بالهياكل الدينية المسيحية ليصبح معروفا باسم: كنيسة نُوتْردامْ دُو لافيكْتْوار، وغيَّرَتْ معالمه تغييرا راديكاليا أفقده الروح المعمارية الإسلامية ونكهته الشرقية ووَجْههُ الأصلي “البيتشيني” الذي لم تعثر الجزائر المستقلة بعد سنة 1962م سوى على آثار محدودة منه تشهد على أصالته الأولى. وعندما حوَّلتْه إدارة الاحتلال إلى كنيسة كانت قد هدمت، قبل ذلك، أعظم وأجمل مسجد جامع في الجزائر في العهد العثماني عرف بـ: جامع السيدة، بالإضافة إلى عشرات المساجد الأخرى، لذلك لم يكن إرث علي بتشين الضحية الأولى ولا الأخيرة لهمجية الاستعمار الفرنسي.


عندما أصبح هذا المسجد كنيسة مسيحية، استولى المحتلون على باب جامع كتشاوة الفاخرة التي صنعها ونحتها أحد كبار حرفيي الجزائر آنذاك أمين النجارين “البلاتْشِي”، ليزينوا بها كنيستهم الجديدة على حساب المقدسات الدينية الإسلامية.
لكن الله يُمهل ولايُهمل…
في سنة 1962 استرجعت الجزائر استقلالها وأُعيدت جميع الأوقاف الإسلامية التي إغتصبها الفرنسيون إلى المسلمين، فأزيل الصليب من مئذنة “كنيسة نوتردام دولافيكتوار” وصلى فيها الناس بعد أن كُتِب على مدخلها :جامع علي بتشين، وباللغة العربية… لغة القرآن. لقد كانت لحظات الاسترجاع هذه لحظات تاريخية قوية وسعيدة دون شك للذين أسعفهم الحظ في أن يعيشوها…بفضل الرجال…والحمدلله.

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
4.5 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 100%
3 Stars 0%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: