الرئيسية / قاعدة بيانات الجزائر - Article / عندما منع عبد الرزاق بوكبة من دخول التلفزيون

عندما منع عبد الرزاق بوكبة من دخول التلفزيون

أنت هنا:

كان حرج أعوان الأمن المكلّفين بحراسة التّلفزيون الجزائري كبيرًا، نهاية عام 2009، وهم يقولون لي إنّهم يمكلون تعليمةً، تقضي بعدم السّماح لي بالدّخول. أنا الذي التحق بالشّاشة منذ 2005، وقدّم ثلاثة برامجَ ثقافيةٍ، حاور فيها قطاعًا واسعًا من الكتّاب والباحثين والفنّانين والمشرفين على المؤسّسات المنتمية إلى هذه الحقول.

أحسست عميقًا بالظلم. ثمّ تضاعف هذا الإحساس لديّ، بإعراض الإدارة عن تقديم سببٍ معيّنٍ لإبعادي، فكأنّها أرادت القول إنّك عاري الكتفين، فعد من حيث أتيت.

واجهت، على مدار خمسة شهورٍ صراعًا بين صوتين. صوتٍ يحثّني على الإعراض عنهم، والخوض في تجاربَ أخرى، أنا القادر على ذلك، وآخرَ يحثّني على المطالبة بحقّي، والمقارعة من أجل استرجاعه. فكان أن قرّرتُ إضرابًا عن الطعام، بمناسبة اليوم العالميّ لحرّية الصّحافة، 03 مايو 2010.

أعلنت عن الإضراب شهرًا قبل حصوله، في حوار أجراه معي الكاتب والإعلامي محمّد علّاوة حاجّي في جريدة “وقت الجزائر”، حتى أعطي للمعنيين بالأمر فرصةً لأن يستجيبوا لمطلبي المتمثّل في إعادتي إلى المؤسّسة، فلم يتحرّك منهم أحد.

لن أتحدّث عن الأيّام الثّلاثين، التّي تلت الإعلان عن موعد الإضراب لأنها تتشابه. بل سأتحدّث عن اللّحظة التّي ذهبت فيها من غرفتي المؤجّرة فوق سينما “الجزائرية”، في شارع ديدوش مراد، رفقة الكاتب والإعلامي سعيد خطيبي، إلى دار الصّحافة حيث سأشنّ الإضراب.

شربت من كأسي بإحساس أنها الشّربة الأخيرة. أغلقت جهاز التليفزيون على أساس أنني لن أشاهده مرّةً أخرى، وأنّه قد يبثّ خبر موتي بعد أيام.

ألقيت نظرةً على الكتب التي كانت مزروعة في الغرفة، فودّعت الجاحظ وأبا حيّان والمعرّي وإخوان الصّفا. وقلت لابن تيمية: سامحني يا شيخ. ربّما تعسّفت في حقّك ذات يوم. ولمحمود درويش: إنّ المسافة بيننا لم تعد بعيدةً. ولبعض الكتّاب الذين لا أحبّ نصوصهم وسلوكاتهم: هي لكم الحياة. افعلوا فيها ما شئتم، وواصلوا رداءتكم واحتكاركم للأضواء.

هناك انتبهت إلى أنّ إحساسي بشعرية الأشياء لم يكن كافيًا. شعرية الفنجان – شعرية النافذة – شعرية المرحاض – شعرية الحذاء – شعرية الباب – شعرية الملعقة. وهو ما اشتغلت عليه لاحقًا، في أكثر من تجربة سرديّة.

ذهبت إلى دار الصّحافة، التي تحمل اسم روائيٍّ جزائريٍّ اغتيل في التّسعينيات هو طاهر جاوت، وأنا مدجّج بأحاسيسَ متناقضة. إذ كان للخطوات التي قطعتها من شارع ديدوش مراد أحد مفجري ثورة التّحرير، إلى دار الصّحافة، أكثرُ من مفارقةٍ فاضت على تلك المسافة القصيرة. وهذا من بين ما يستفزّ الكاتب داخلي.

تمنّيت أن تطول تلك المسيرة، كي أراجع مفهومي للكتابة والحياة. لكنّها لم تستمرّ أكثر من ربع ساعة.

ثمّة زمن مسطّح نعدّه بالدّقائق والسّاعات والأيّام والأسابيع والشّهور والأعوام والقرون، وزمن نفسيّ خاصّ نستطيع في دقيقةٍ منه أن نلخّص كونًا. وإنّ إغفال هذا المعطى، في التعامل مع النّص السردي شخوصًا وحالاتٍ، واحد من مداخل الرّداءة إليه.

حينما بلغت دار الصحافة، وجدت لفيفًا من الشّرطة في انتظاري. فقد شافوا في الجرائد الإعلانَ عن الإضراب.

أصبت بالرّعب، أنا الكائن المسالم الذي لم يطمح يومًا إلى أن يكون إداريًا أو سياسيًا أو رجل أمن. وقد زوّدتني مرافقة سعيد خطيبي ببعض الشّجاعة، لأنه تعوّد على استجوابات الشّرطة له، بحكم انتمائه إلى جماعة «بزّاف» التّي كانت من المبادرات المدنية السبّإقة إلى مناهضة السياسة البوتفليقيّة.

جاءني شرطي قائلًا: “أنا لا أعرفك أيّها الكاتب. لكنّ زوجتي أوصتني بك خيرًا، فهي من مشاهديك في التّلفزيون. هل تطلب شيئًا؟”. قلت: أريد أن أعلّق بيان الإضراب. قال: أنا من سيفعل ذلك.

أن تكون وجهًا تليفزيونيًا، فيراك الناس متألقًا، وينسجون حولك الحكايات، منها أنك تقيم في الأماكن الرّاقية، وتملك سيّارةً فاخرةً، وبيتًا لا يُتاح للجميع، قياسًا على زملاء لك، ثم يرونك ملقًى على قارعة الطريق، أمر يحتاج إلى صلابةٍ خاصّة.

كانت لحظة مواجهة العراء، في اللّيلة الأولى صعبةً. إذ تفرّق النّاس الذين كانوا معي، عند منتصف الليل، ولم يبقَ إلا سعيد خطيبي.

هناك انتابني إحساس غريب جدًا قام على هذه الأسئلة: لماذا لم تكن إرهابيًّا؟ لديك زملاء في الدراسة، أصبحوا أمراءَ في الجبل، ثم عادوا غارقين في الثراء باسم مصالحة غارقة في الغموض؟ لماذا لم تصبح رياضيًا أو تاجرًا؟

لكنّني لا أستطيع أن أصف لذّة اللّحظة التي انتصرت فيها على نفسي، فقلت لها: أنا اخترت الشيء الذي يبقى. ولم أندم بعدها أبدًا.

أصبحتُ شريكًا لكائناتٍ أتقزّز منها في العادة، مثل الجرذان والصّراصير والكلاب الضالّة والمجانين الموغلين في الاتّساخ.

لم أستطع أن أنام حتى لا أحرم نفسي من تلك الكائنات، فكأنّني لا أعرفها من قبل، ولم أستطع أن أبقى صاحيًا لأنّني كنت متعبًا وجائعًا.

هل سأغادر الواقع إذا نمت؟ أم أنّه سيُلاحقني في النّوم، فيتداخل بالخيال وتنتفي الحدود؟ أليست لحظةً سرديةً بامتياز؟

أحسست بامتنانٍ عميقٍ للمثقفين والفنّانين والإعلاميين والجامعيين الذين ساندوني. كانت حركةً رائعة، في مقابل حركة مخيِّبة لمثقفين آخرين، منهم الشاعر ميلود خيزار الذي وصفني في بيان له بالغلام الذي لا يستحق التعاطف، والروائي بشير مفتي الذي كتب أنني لست جديرًا بالتّوظيف، رغم أنه كان ضمن عناصر برنامج “فصول” الذي كنت أنشطه، من غير أن يضع رجله في التّلفزيون، على مدار ثلاث سنوات كان يتقاضى فيها راتبًا بشكلٍ عادٍ.. لكنّ بؤرة تأمّلاتي توجّهت إلى النّاس، الذين لا يُحسبون على حقل الثقافة والفنّ والإعلام.

كنت نائمًا عند مدخل العمارة المقابلة لدار الصّحافة. وكان يأتيني شابّ يغدو ويروح متحدّثًا من غير أن ينبس بكلمة.

كانت يداه تتحرّكان في الفضاء، وشفتاه تقولان شيئًا لا يصلني، لكنّه يوحي بأنه متذمّر من الوضعية.

سألته مرّةً عن الأمر، فقال: لا أستطيع أن أفعل لك شيئًا، ما عدا أنّني أمرت زوجتي بألا تطبخ طعامًا تصل رائحتُه إليك، فتتشهى الطعام.

وجاءتني عجوز بالقهوة والخبز، محاولةً أن تثنيني عن الإضراب. فحلفتْ بأجدادي وبكلّ ما يُحرّك إحساسًا في نفسي، أن آكل وأشرب من يدها. وحين رفضتُ، أجهشتْ بالبكاء وحكت لي قصّتها مع الجوع في عام الجوع، قبل الاستقلال الوطني، حيث وصلتْ إلى أن تأكل أوراق الأشجار والقطط النّافقة.

كنت أتغذّى معنويًا من أشياء أخرى غير الطعام. فلم أعد بحاجةٍ إلى المرحاض في تلك الأيّام. حيث تحرّرتُ من عقدة لازمتني منذ طفولتي. إذ كان أبي يقول لي، كلّما أراد أن يرفع همّتي: “خرّاي”. وها أنا لم أعد أمارس هذا الفعل يا بَّيْ.

كيف حالك في قبرك؟ كيف هي الحياة هناك؟ أمّا هنا، فإن ولدك الوحيد استطاع أن يصبر على الجوع، لكنّه لم يستطع أن يصبر على الظلم.

أنت علّمتني ألا أَظلم أو أقبل أن يظلموني. فلا تلمني على أمرٍ تعلّمته منك. ولا تلمني على أنني قد ألحق بك، فأترك أمّي وزوجتي وابنتي وحيداتٍ، فقد جعلتهنّ وديعةً عند ربّي.

زاد إحساسي الملائكي، وأنا طريح فراشٍ أحضره لي صديقي الفنّان سعد بن خليف، وزاد معه إحساسي بالفنون.

ليلةً.. جاء الفنّان علاء الدّين خمّار، من مدينة بسكرة، ليواسيني بعزفه على النّاي، فكأنّني اكتشفت النّاي للمرّة الأولى.

تذكّرت مقولة جلال الدّين الرّومي “لا أظنّ هذه السّماء إلا من نفخة هذا النّاي”، فرحت أتخيّل السّماء فقاعةً تكبرُ، وأتتبّعها ببصري حتى ظنّ صديقي الكاتب والإعلامي علّاوة حاجّي أنّني في طريقي إلى الرّفيق الأعلى.

كنت أعرف فتياتٍ في محيطي العاصمي. ولم أنتبه إلى أنّهن رائعات الجمال إلا في تلك الأيّام.

تساءلت: هل سأموت فعلًا؟ هل هو المصير الذي أملى عليّ هذا العطش للحسن؟ يقال إنّ الإنسان يكون مريضًا مرض الموت، فإذا اقترب أجلُه أصبح صحيحًا، فيُقبل على متع الحياة، ثم يموت فجأةً. خفتُ قليلًا.

زارني شابّ تعرّفت عليه، حين أقمت شهورًا في “الأقبية الثلاثة” بالحرّاش، عام 2006، فقال لي: هل ترى شعار “نموت وما نهاجرش” واقعيًا؟ قلت: لن أهاجر. قال: هل أنت قادر على ذلك ولم تفعل؟ قلت: أملك عروضًا جادّة من الخارج. فأخرج لي ما تحت سرواله، ولم أَشُفْهُ بعدها أبدًا.

لقد جعلني الجوع أعيد النظر، في التفّاح واللّحم والكرز والكسكسي والبيض والعصير، وما إليها من المأكول والمشروب. فاكتشفت أنني لم أوفِ تلك النّعم حقَّها من الشّكر والانتباه والكتابة.

قلت لصديقي أحمد بن صبّان الذي أدخلني إلى التلفزيون أصلًا، في زمن الأستاذ حمراوي حبيب شوقي: لماذا أكتب عن القضايا الكبيرة، وأنسى الكتابة عن طعامي وشرابي، وما يُحيط بهما من لحظاتٍ ووجوهٍ حميمة؟

هناك فكّرتُ جدِّيًّا في أن أخوض تجربةً في أدب البيت.

اشتهيت «بوزلّوف». وهو رأس الخروف الذي يُشوى أو يُطهى في المرق. فيكون عصيًّا على المعدة بعد الصّيام أو الإضراب عن الطعام.

وقد قلت لصديقتي الشاعرة لميس سعيدي التّي كان أبوها لي أبًا وكانت هي لي أختًا، مباشرةً بعد إيقاف الإضراب: خذيني إلى مطعم يقدّم البوزلّوف. ما تسبّب لي في مشاكلَ على مستوى المعدة، فدخلت بسبب ذلك المصحّةَ مرّتين.

كان الطبيب الذي عالجني على علمٍ بأنني كنت مضربًا حديثًا، من خلال الصّحافة المكتوبة، خاصّة يومية “الفجر” لصاحبتها حدّة حزام وجربدة “الوطن” التّي خصّصت لي صفحةً تضامنيّةً يوميًّا، فقال لي، وقد أخبرته أنني أكلت بوزلّوف، بعد أن أوقفتُ الإضرابَ: كان عليك أن تقصد البيطري.

كان عمر علياء وقتها تسعة أشهر. وكنت أكلّم أمّي، فأكذب عليها بالقول إنّني أغشّ في الإضراب، حتى أخفّف خوفها من فقدان وحيدها. وهي من الإشاعات التي استعملت بعضُ الأطراف بعضَ الصّحافيين والكتّابِ، في أن تشوّه بها إضرابي. فلمّا صفعتهم النّزاهةُ، راحوا يقولون إنّ بوكبّة قبض 500 مليون من إدارة التلفزين، بينما لم أقبض، عبر حسابي الجاري في مكتب البريد الذي تشرف عليه صديقتي الكاتبة نعيمة معمري، إلا سدس هذا المبلغ، عن ثلاثةٍ وعشرين شهرًا. لم أقبض فيها فلسًا من التلفزيون.

ولولا تعاوني مع المسرح الوطني بإدارة امحمّد بن قطّاف، وأسبوعية ا”المحقّق” لصاحبها هابت حنّاشي، والإذاعة الثقافية بإدارة فاطمة ولد خصال، لجعت وجاعت أسرتي.

اكتشفتُ، بعد عودتي، أنّ أمّي هي الأخرى كانت مضربةً. ولأنها لم تشرب الماء مع السّكر أو الملح، كما تقتضي أعراف الإضراب عن الطعام، فقد كاد جسدها يجفّ. كما جفّ ريقُ بعض الأصدقاء، وهم يحثّونني على أن ألتحق بوظيفتي، بعد أن أمضت إدارة التلفزيون عقدًا معي. فكنت أقول: لقد حقّقتُ هدفي من الإضراب، وهو أن أغادر بمحض إرادتي، لا بجرّة مزاجٍ من مسئولٍ يُمجّد الوطن في نشرات الأخبار، ويذبح مبدعيه في الكواليس.

آن لي أن أخوض تجاربَ جديدةً أيها الأصدقاء.

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: