عن “الطَّبخ اليهودي”

أنت هنا:

بقلم: فوزي سعد الله

“…تحت تأثير الدعاية الصهيونية وأبواقها الإعلامية في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، بشكل خاصّ، يُردِّد بعضُ الإعلام الجزائري، ومعَه بعض الإعلام العربي المنخرِطة أنظمتُه جهرًا في التعاون مع المُحتلِّ الإسرائيلي، صدى أكاذيب عن وُجود هوية طَعامية أو طبخية يهودية مستقلة بذاتها. بل في الجزائر، بدأ يَشِيعُ الحديثُ جماهيريًا عن تأثير فنِّ الطبخ اليهودي المزعوم في نظيره الجزائري المُسلِم وليس العكس. ولا أحدَ أوْضَحَ مَا هِي هذه المؤثرات وفي أيِّ الأطباق والأطعمة تحديدًا، ويَعُودُ السَّببُ لِكوْنِها غيْر موجودة أصلاً. وتَجري العملية ذاتها في بلدان عربية أخرى، وتَجد هناك أيضا هوًى في بعض النُّفوس لِتصفية حسباتٍ سياسية إيديولوجية محلّية، كَمَا تُردَّد مِثْل هذه الادعاءات مِن طرف البعض الآخر بسذاجة وعن حُسنِ نِية.
ما قُلْنَاه عن انتماء تقاليد اللباس والأزياء اليهودية، وعن الثقافة اليهودية بِرُمَّتها، إلى الثقافة الكبرى الحاضِنة لها يَنطبق أيضا بحذافيره على التقاليد الغذائية، لأن اليهود أَكَلُوا وشَربُوا مَا وَجدوه يُؤكَل ويُشرَب في المجتمعات التي عاشوا فيها، فضلاً عن خلوِّ الديانة اليهودية من تعاليم تُحَدِّد طبيعةَ الأغذية والمشروبات باستثناء الأُطُر العامة للحلال والحَرام. وهكذا، يقول عبد الوهاب المسيري، “…تَتَنَوَّعُ وتَتَعَدَّدُ أنواعُ وأصْنافُ الأطْعِمَة، التي يقُوم بإعدادِها وتناوُلِها أعضاءُ الجماعات اليهودية، بتعددِ وتنوُّعِ المجتمعات التي يعيش أعضاء الجماعات اليهودية في كَنَفِهَا باستثناء بعض التفاصيل التي تَرْجَع إلى قوانين الطعام الشرعي (التي تُحدِّد طريقة الذبح والإعداد وتُحرِّم أنواعا معينة من الطعام أو تُحَرِّم الجَمْعَ بين أنواع منه) وربَّما بعض الوصفات التي حَمَلها أعضاءُ الجماعات اليهودية من تشكيلاتٍ حضارية أخرى تواجدوا فيها قبل هجرتهم إلى مجتمعهم الجديد” . ثم جاءت الصهيونية في القرن20م لِتَصْنَعَ “أطعمة يهودية” وَهْمِيَة بادِّعاء نَسَبِها لليهود واليهودية على هواها، فيما هي لا تعْدُو كوْنها أطعمة وأغذية تنتمي للمجتمعات الحاضِنة تاريخيًا لِلمَوْسَوِيِّين. بالتالي، أصبحتْ الضُّولْمَة والكِبَاب بنوعيْه التّركي والبُخارِي، الذي يَشتَهر يهودُ بُخارى بتناوله أيام السّبت، والفَلافِل الشَّامية والزَّلابية العراقية المعروفة محليًا كَمَا في إيران بالبَامِيَة، والتي يَفطر بها يهود العراق “بعد صيام يوم الغفران” ، والقطائف الشائعة كالزَّلابية في مختلف بقاع البلدان الإسلامية والكوارع وقائمة طويلة من المأكولات والحلويات والمشروبات أصبحتْ جميعُها بين ليلة وضُحاها “أطعمة يهودية” نابِعة من ثقافة يهودية مزعومة وَضَعَتْ أُسُسَها المصنّفاتُ اليهودية/الصهيونية الحديثة والكِتابات المُتَصَهْيِنَة الدائرة في فلكِها، بما فيها كِتابات المُتصهْيِنين في البلاد العربية. وقد أصبحتْ الأجيالُ الجديدة من اليهود العرب والشرقيين عامَّةً، التي انْقَطَعَتْ بِسبب الصهيونية وحروبِها في الشرق الأوسط العربي عن بيئتها الثقافية الأصلية، تُصدِّق هذه الأكاذيب التي يَعرف جيِّدًا أباؤها وأجدادُها الذين كانوا عربًا وشرقيِّين قبْل أقلّ مِن 100 عامٍ أنها أطْعِمَة وحلويات لا علاقةَ لها باليهودية. وحَدَثَ لِهذه الأطعمة مَا وَقَعَ للنَّجمة السداسية التي تَرَسَّخ في الأذهان عالميًا أنها شكلٌ هندسي يهودي، وما هُوَ بِيهوديٍ في شيْء، بل عُرِف منذ عهود موغِلة في القِدَم لدى الحضارات الشرقية القديمة، وعَرَفَتْهُ الأممُ اللاحقة في زخرَفَتِها، واستَخْدَمَتْهُ هذه الحضارات والأُمَم المُتعاقِبة في رُسومها ونقوشها ومنْحوتاتها إلى أن قَرَّرَتْ الحركة الصهيونية مصادرتَه والترويج الإعلامي لنَسَبِهِ الجديد المُغشوش. هذا في ما يَتعلق بِطعام وشراب اليهود الشرقيين، بمن فيهم اليهود السَّفارديون، أيْ المنحدرون من الأندلس، المُشَتَّتون بشكل خاصٍّ حوْل ضِفاف البحر الأبيض المتوسط وفي بقية بلدان العالم، واليهود العرب.
في المقابِل، أَكَلَ وشَرب اليهودُ الأشْكِيناز أيضًا مَا وجدوه يُؤكَل ويُشرَب في أوروبا الوسطى والشرقية التي كان تواجدهم بها كثيفا. وبالتالي، فإن جُلَّ طبْخِهم، بما في ذلك في الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل المحتلَّة لِفلسطين، طَبْخٌ روسيٌ وبولنديٌ ولِيتْوانيٌ وألماني وروماني مِثْل موسيقاهم ورقصهم وغنائهم ولباسهم وحتى لغتهم المعروفة باللغة اليِدِّيشية والتي هي أصلاً ليستْ سوى اللُّغة الألمانية التي سادتْ في العصور الوسطى أُضِيفَتْ إليها عِبارات سْلاَفِيَة وعِبْرِيَة .
يهود الجزائر، الذين تَفَرْنَسُوا بالانخراط في الثقافة الفرنسية بعد احتلال الجزائر عام 1830م والاندماج في هذه الثقافة ثم رحلوا إلى فرنسا مع المحتلين عام 1962م باستقلال البلاد، أصبحتْ عاداتُهم الغِذائية تدريجيًا فرنسية، إلا الذين تَشَبَّثُوا بتقاليد الطبخ الجزائري إلى اليوم، حيث تَحوَّلوا إلى أكْل “الدّيك بالنَّبِيذ” (Coq au vin) و”البقر البُورْغُونِي” (Boeuf bourguignonne) ولَحم العجل بالمَرق الأبيض (Blanquette de veau) بدلاً من “الشُّرْبة فْرِيكْ” أو “الطَّاجِينْ الحْلُو” و”الشّْطِيطْحَة” و”التّْشَّخْتْشُوخَة” و”الرَّشْتَة”…إلخ. ولا يوجد على مائدة اليهودي الفرنسي ما هو جدير بأن يُسمَّى يهوديًا بل هو أكْل فرنسي خاضِع لِتأطير الشريعة اليهودية مِن حيث الحَلال والحرام، أو “الكَاشِيرْ”، بما فيها الطُّقوس المُتعلِّقة بطريقة ذبْح الشاة أو الدواجن.
يهود الجزائر في العهد العثماني لم يختلِفوا عن مُسلِمي البلاد في المأكل والمشرب، فكانت كل طائفة تَعتمِد التقاليدَ الغذائية السائدة في منطقةِ إقامتها. يهود الصحراء كانت عاداتُهم الغذائية صحراويةً في غالبيتها ويهود الأرياف الشمالية كان طبخُهم ريفيًا واليهود الحَضَر، وهم الغالبية، فكانت موائدُهم نفسَ موائد العائلات التلمسانية في تلمسان والقسنطينية في قسنطينة والعَنَّابِية في عَنَّابَة والجزائرية في مدينة الجزائر…إلخ. وهكذا، عَرَفتْ مطابخُ اليهود في الجزائر العُصْبَانْ والبَكْبُوكَة والكُسْكُس والشُّرْبَة بمختلف أنواعها، المطبُوخة على الطريقة التّركية وتلك المُسْتَنْسَخَة من العادات الأندلسية/المغاربية، والـ: بُوزَلُّوف الشَّبيه إلى حدٍّ ما بما يُعرَف بـ: الكَوَارِع في المشرق. كما لم تَكُن اللُّوبْيَة بالمَرق والتّْشَكْتْشُوكَة والتّْشَخْتْشُوخَة والشّْلِيطَة والبُورَاك والكُسْكُس والمَسْفُوفْ والبَرْكُوكَسْ والدّْشِيشْ والرّْفيسْ مأكولات غريبة عن اليهود في الجزائر، ولا “الشّْطِيطْحَة بالجَاجْ” أو “الشّْطِيطْحَة باللّْحَمْ” أو الحلويات على غرار التّْشَارَاكْ والمَقْرُوضْ والصَّامْصَة والزَّلاَبِيَة والقْنِيدْلاَتْ والإسْكَنْدْرَانِيَاتْ والغْرِيبِيَّة التي يُسميها البعضُ باسمها الإسباني الـ: مُونْتِيكَاوْ (Montecao) التي وَرَثَها الإسبانُ عن المسلمين في العهد الأندلسي، والبَقلاَوَة التي ما زال يهودُ الجزائر أو بعضُهم على الأقل يَحِنُّ إلى اليوم لِطعْمها كالكاتِب ألْبِيرْ بن سُوسَان اليهودي الفرنسي المنحدِر مِن مدينة تلمسان الجزائرية مِن أصولٍ أندلسية والذي لا تَخْلُو كِتاباتُه من هذه الطَّيِّبات الجزائرية التي تَبَنّاهَا المطبخُ اليهودي المحلي حتى أصبحتْ جزءا من هوية اليهودية الجزائرية .
ولم يَختلِفْ طبْخُ اليهود في الجزائر العثمانية عن نظيره لدى المسلمين حسب الشهادات الوارِدة في العديد من المؤلّفات باستثناء بعض الإضافات التَّفصيلية الصغيرة في عددٍ مِن الأطْعمة أو الاستغناء عن بعضِ عناصر الطبخة، مثلما قد تَحدُثُ المُزاوِجَةُ بين طعام جزائري وآخر جاء به اليهود اللاّجئين من مُستقرَّاتِهم وأوطانِهم السابقة كَشِبْهِ الجزيرة الإيبيرية وفرنسا وإيطاليا والبلْقان…إلخ…”.

(*) يهود الجزائر هؤلاء المجهولون. دار قرطبة، الجزائر. طبعة جديدة قريبًا.

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
0 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 0%
3 Stars 0%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: