أنت هنا:

بقلم: فوزي سعد الله

“…الحوفي صيغة تعبيرية شعرية شفوية شعبية من نَظْمِ النساء في تلمسان العتيقة، ظهر خلال القرون الأربعة أو الخمسة الأخيرة قبل أن ينتقل نسبيا إلى مدينتي البليدة ومليانة لأسباب تاريخية تعود إلى عهد امتداد نفوذ الدولة الزيّانية، التي كانت عاصمتها تلمسان، إلى سهل المتيجة…
الحوفي تنظمه النساء عادة بارتجال على ضفاف الوديان أو حول السواقي أو آبار الماء أثناء غسل النسوة للأغراض العائلية أو في الحقول والبساتين وحتى في البيوت خلال السهرات العائلية والمناسبات الدينية والأعياد الاجتماعية بما فيها تلك التي تعود إلى بقايا التقاليد الوثنية السابقة لظهور الإسلام في المنطقة كالاحتفال بـ: “يَنَّايَرْ” و”النَّفْقَة”1. ويُعبِّر هذا الفن النّسوي عن الأفراح والأحزان والأحلام والخيبات عبْر مجموعة صغيرة من الأبيات الشعرية الخفيفة التي لا تُذكَرُ أبدا صاحبتُها عَكْسَ ما كان يجري في بقية الأنواع الشعبية التي تتضمن في آخر أبياتها توقيعًا يُعرِّف بالشّاعر. مواضيع الحوفي هي الشَّوقُ والحنين إلى الدِّيَار والأهل والأحباب، القضاء والقدر، جمال الطبيعة، سِحْرُ النرجس والياسمين، الأمل واليأس، الحبُّ والعُشْقُ والوِصال، الشعور بالذنب، وكل ما تخفق له قلوب الفتيات وما جادت به قريحة النساء وخيالهن الشِّعري مثلما تعكس ذلك “سَاقِيَةْ بَابْ الجِيَادْ” و”لالّة سِتِّي”…

نساء تلمسان تلك هن اللواتي قلن قبل بضعة قرون، وحذا حذوهن فتية هذه الحاضرة العريقة، هذه الأبيات الرقيقة:

جَايَزْ عْلَى بَابْنَا جَايَزْ وَاشْ تْشُوفْ…أَنَا لاَبْسَة الحْرِيرْ وَأْنْتَ لاَبَسْ الصُّوفْ…قَالْ لْهَا يَا لاَلَّة لْبَاسْ الرّْجَالْ مَخْلُوفْ… آجِينِي نْلَبّْسَكْ القَاطْ وَنْزِيدْلَكْ الشَّنْتُوفْ…

وتلك التلمسانيات هن أيضا مَن رَدَّدْنَ على ضفاف الوديان وبجوار العيون المتدفقة ماء زلالا:

مْشِيتْ لَلْوْرِيتْ وَمْشِيتْ نَنْظُرْ فِيهْ…صَبْتْ كْرَاكَرْ ذَا الحْجَرْ وَالمَاء يَهْدَرْ فِيهْ…صَبْتْ رَبْعَة مَنْ البْنَاتْ يَعَرّْكُوا الصّْوَابَنْ فِيهْ…الأوْلَى هِيَ القْمَرْ وَالثَّانْيَة بَلاَّرْ…وَالثَّالْثَة يَالْخُو شَعّْلَتْ فِي قَلْبِي النَّارْ…وَالرَّابْعَة يَالْخُو كِيَّة بْلاَ مَسْمَارْ…
(لَوْرِيتْ: تقع في تلمسان في غرب الجزائر).

وهن أيضا صاحبات هذا الحوفي الجميل الرقيق:

يَانَابْتَة في الصّْحَنْ *** يَا شَجْرَةْ الدَّرْدَارْ
وَعْرُوقْهَا سْكَنْجْبِيرْ *** وَأوْرَاقْهَا زَنْجَارْ
يَمَّا نْهَاتْنِي عْلَـى *** وْقُوفْ بَابْ الدَّارْ
وَنْخَبّْرَكْ يَا يـــَمَّا *** كِي يْكُونْ عُشْقْ الجَارْ
يَتْنَاظْرُوا الْعْيُونْ *** وَالْقَلْبْ فِيهْ النَّارْ

وإذا أحببن لا يتراجعن:

يَا لاَبَسْ القَنطْرْيِ *** يَا طَالَـــعْ الزَّنْقَـــة
شَرَّكْتْ ثْيَابِي عْلِيكْ *** سَمَّوْنِي حَمْقَاء
وْشَرّْبُونِي عْلِيكْ *** الرَّهْجْ فِي المَرْقَـة
ذُقْتْه وْجَانِي حْلُو *** يَا مَا أعْظَمْ الفُرْقَة

وأحيانا يتطرفن:

أَنَا جَالْسَــة فِي الرّْيَاضْ *** بِاللَّوْزْ نَتْدَرَّقْ
وْفَـــاتْ عْلِيَّ شْبَابْ *** فِي يَدُّه قْطِيْب أزْرَقْ
شَاشِيّْتُــــه مْعَنْقْرَة *** تَحْفِيفْتُه تَبْرَقْ
وَعْلِيهْ نَرْمِـــي الُاولَادْ *** وَعْلِيهْ نَتْطَلَّقْ
وَعْلِيهْ نَخْلِـــي البَلاَدْ *** وَنْرَدّْهَا فُنْدُقْ

وعندما يتسليْن بالسخرية من الرجال لهن طرائف وأقوال:

يَا شَجْـــرَةْ اليَاسْمِينْ *** الطَّالَّة عْلَى اسَاسُه
مَا اسْخَــاهْ هَذَا القْصِيرْ *** الجَالَسْ بِينْ نَاسُه
وْذَاكْ الطّْوِيلْ الحْزِينْ *** يَمْسَحْ السّْمَاء بْرَاسُه

يَا شَجْرَةْ اليَاسْمِينْ *** الطَّالَّة عْلَى الاَنْجَاصْ
مَا اسَخَــــــاهْ هَذَا الطّْوِيلْ *** الكَامَلْ اللّْبَاسْ
وْذَاكْ القْصِيرْ الغْشِيمْ *** مَذْلُولْ بِينْ النَّاسْ

وعادة ما تُلقَى هذه “التَّحْوِيفَاتْ” في قوالب موسيقية بسيطة وشجية، وتزداد ازدهارا وحيوية كبيرة إذا حلَّ فصلُ الربيع الذي سرعان ما تتحول أيامُه ولياليه إلى مهرجانات حقيقية للتنافس والإبداع في هذا المجال.
وإذا كان الحوْفي في الأصل فنٌّ خاص بمجالس النساء التلمسانيات مثلما هو حال “البوقالة” في بيوت وقصور مدينة الجزائر العتيقة، إلا أن الجانب الموسيقي للحوفي فتح له حديثا أبواب عوالم الغناء والطرب وأدخله قاعات الحفلات الموسيقية وأستوديوهات التسجيل والإذاعات والتلفزيونات. وهكذا، أصبح للحوفي نجومه منذ العقود الأخيرة للنصف الأول من القرن 20م. وكانت الشيخة طِيطْمَة سبَّاقة في تسجيل الحوفي على العديد من الأسطوانات، وجَعَلتْهُ من أبرز أعمالها خلال مشوارها الفني الطويل، قبل أن يتبنى الرجالُ التحويفات التلمسانية ويُحوِّلونها إلى جزء من التراث الموسيقي الجزائري المنبثق عن الغناء العربي الأندلسي والتي كثيرا ما حُوِّلتْ إلى افتتاحيات غنائية دون إيقاع تُعرف في قاموس الطرب الأندلسي بـ: “الاسْتِخْبَارَاتْ” التي تُذبِّج أغاني “الحوزي”. وهذا ما فعله الشيخ رضوان بن ساري الذي اهتم بالحوفي وغَنَّاه في العديد من المناسبات بعد رحيله عن الجزائر إلى المغرب. وبعد الشيخ رضوان، وجد فنُّ الحَوْفِي في الفنان النُّورِي الكُوفِي ومجموعةٍ من فناني الأجيال الجديدة رافدا هاما ساهم في ترسيخ هذا النوع الشعري الغنائي وحفظه من الاندثار.

وفي نهاية المطاف، وعلى حد قوْل البروفيسور نذير معروف، يختلف خطاب هذه الأنواع الغنائية الثلاثة، الحوزي والعروبي والحوفي، عن الغناء العربي الأندلسي الكلاسيكي في كونه يتحدث عن الناس الذين يغنونه وبشكل يبقى صالحا للأزمنة التالية للقرون التي شهدت ميلاد هذه التعبيرات الغنائية الحضرية “الهامشية”. بينما يكتفي خطاب النوبة الكلاسيكية بالحديث عن حقبة من الزمن تعود إلى أكثر من 5 قرون وعن أناس هم أهل الأندلس الذين لم يعد لهم وجود منذ قرون أيضا…”.

أغنيتان من النوع الحوزي التلمساني:

المصدر: فوزي سعد الله: صفحات مجهولة من تاريخ الغناء الأندلسي… دار قرطبة، الجزائر 2011م.

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
0 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 0%
3 Stars 0%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: