الرئيسية / قاعدة بيانات الجزائر - Article / في رثاء حومة بئر الجبّاح ومدينة ريَّاس البحر التي حوّلتْها الرّداءة إلى مدينة الأطلال والأشباح

في رثاء حومة بئر الجبّاح ومدينة ريَّاس البحر التي حوّلتْها الرّداءة إلى مدينة الأطلال والأشباح

أنت هنا:
  • الرئيسة
  • مدن وتراث
  • في رثاء حومة بئر الجبّاح ومدينة ريَّاس البحر التي حوّلتْها الرّداءة إلى مدينة الأطلال والأشباح

حارةُ بئر الجَبَّاح أو حَوْمَة بئر الجبَّاح من أكثر حومات مدينة الجزائر العثمانية التاريخية، في جهتها العليا القريبة من “دار السلطان”، عراقةً وأهميةً منذ عهد رياس البحر والدايات…

كانت من الحومات التي يُولِيها شيخُ البلد وقائد العيون عنايةً خاصة لكونها مَحَطَّ القوافل التجارية الهامة التي تأتي المدينةَ مِن بعيد وتدخلها من جهتها العليا، في ما كان يُعرَف آنذاك وحتى القرن 20م بـ: “الجْبَلْ”، وتحديدًا مِن الباب المسمَّى “الباب الجديد” عند أقدام سور “دار السلطان” مِثلما كان يُسمَّى وما زال مَقرّ الحُكْم. وربّما بسبب ارتباط الحومة بقَوافل الجِمال التجارية وُجدتْ بها زنقة إلى اليوم، رغم آثار الإهمال و السِّنين، تُسمى شارع الجَمل (Rue du Chameau)…

العناية بحارة بئر الجباح كانت دقيقة وصارمة مثلما كانت صارمةً إدارة شؤون المدينة بِرُمَّتِها خلال العهد العثماني. وكانت تَشْمُلُ بشكلٍ خاصٍّ الأمنَ، والنظام، والنظافة، وضمَان تَدَفُّق المياه الصالحة للشرب في العيون العمومية لِيرتوي منها السُّكان والهياكل الجِوارية، لا سيّما أن هذه الحومة كانت تحتوي على أحد الأبْيَار القليلة النّادرة والأقْدَم في حاضرةِ سيدي عبد الرحمن الثعالبي وسيدي أحمد بن عبد الله الزّواوِي وسيدي الكَتَّانِي، وهو بئر الجَبَّاح الشهير في وثائق الأرشيف العثماني التي حَفظَتْ ذِكْرَهُ، إلى جانب الذاكرة الشعبية، موَثَّقًا إلى اليوم.

قبل أن تتوفر مدينة الجزائر التاريخية على قناطِر وقنوات المياه والعيون العمومية كالتي ما زالت موجودة إلى اليوم، لا سيما في “الجبل”، كان بئر الجَبَّاح يَرْوي أهل الحَوْمَة، التي مَنَحَهَا أيضًا اسمَه إلى اليوم، وكذلك دِيار وقصور الجِوار، مِثلما ارتوى غيرُهم من السُّكان في المدينة التاريخية مِن بئر الرُّمّانة وبئر البادِسْتَانْ وبئر شَبَّانة وبئر الزّنَاقِي، قبل قُرُون، وربما حتى قبل دخول الأخويْن عُرُّوج وخيرِ الدِّين المدينةَ في بدايةِ القرن 16م.

عندما كانت مَقْصَدَ قََوافِل الجِمال، كان لا بُدّ أن تتوفر على فندق، أو خان حسب العِبارة المتداولة في المشرق والباب العالي، لإيواء التُّجار والمُسافِرين وحفْظِ سِلعِهم. وإذا كانت الذاكرة الشعبية قد نسيتْ حتى وجوده ذات فترة، باستثناء بعض العائلات القليلة قديمة الوجود في المدينة، فإنه صَمد إلى غاية بداية الاحتلال كفندق من الفنادق الإسلامية العتيقة المنتشرة في غالبها في “الوطأ”، أيْ في الجهة السُّفلى، التي كانت تزخر بالتجار القادمين من مختلف جهات البلاد وحتى من الصحراء وإفريقيا جنوب الصحراء وتونس والمغرب ودول جنوب أوروبا كجنوة والبندقية وإسبانيا وفرنسا، قبل أن يُصْبِح فندقًا بالمعنى الأوروبي لإيواء المسافرين العابرين للمدينة امتلكتْهُ عائلة يهودية يُقال إنها من أبناء “المحروسة بالله” القدماء.

خلال تلك الفترة التي شهد فيها تحوّلات فرَضتْها وظيفته الجديدة وظروف التكيّف مع الثقافة العمرانية الاوروبية بسبب وقوع البلد بيد الاستعمار الفرنسي، نسي الناس تدريجيًا الماضي العثماني الإسلامي لهذه البناية التاريخية التي احتفظتْ نسبيًا بِداخلِها بهويتِها المعمارية المحلية بِوَسْطْ الدَّار والأقواس والسَّواري و البْيُوتْ والمْنَازَهْ والسطح المطل على البحر كَكُلِّ دِيار وقصور مدينة المجاهدين ورياس البحر…

خلال القرن 20م، تم استرجاع الفندق بشرائه من طرف أسرتيْن جزائريتيْن، إحداهما عائلة حَحّادْ، وهي عائلة ثُوّار مُجاهدِين وشهداء لم يختلفوا في حميّتهم الإٍسلامية ووطنيتهم عن كبار المجاهدين في البحر أيام خير الدين بربروسة وعروج والرايس مامي وعلي بتشين والرايس حمِّيدو بن علي وسيدي ابراهيم البحري… ولعّل أكثرهم شُهرة الشهيد حَحَّاد عبد الرزاق الذي أعْدمه الاستعمار خلال ثورة التحرير بقطع رأسه بالمقصلة في سِجن سركاجي الذي لا يبعُد بأكثر من مرمى حجر عن حومة بئر الجبّاح. وقد أصبح الشهيد حَحَّادْ عبد الرّزاق، مثله مثل مُجاهديْن آخريْن من أرْجَل رِجَال “القصبة” ارْتَقَيَا بِدورهما شهيديْن أحياءً عند ربهما يُرزَقان وهما دَرْيَاسْ الأب وابنه، رموزًا من أكبر الرموز الثورية لحومة بئر الجباح و”القصبة”، كعلي لابوانت وحسيبة بن بوعلي ورَمال والطفل الصَّغير عمر ياسف وذبيح شريف…رحمهم الله، ورموزا لكل الجزائر.

لكل هذا الكَمِّ الهائل من التاريخ والأحداث والأمجاد التي تعاقبتْ عليْها على مدى القرون والأجيال والذي تزخر به كل حجَرة من أحجار دِيارها وأزقتها وساباطاتها وبشكل خاص فندقها الإسلامي العتيق، فإن حومة بئر الجَبَّاح ليست مجَرَّد حَوْمَة تاريخية من حومات “المحروسة بالله” تصلح فقط لِفرْجة السُّياح والفضوليين وعاشقي النبْش في آثار الماضي وذاكرة العُمْران، وليست كأيِّ حومة عادية من حومات “المحروسة بالله” المنبوذة من أهل الجاه الجُدُد. وكان يُفترَض أن يُتعاطى معها ومع كل المدينة التاريخية بما تستأهله من احترام لحمايتها بِترميمها وترقيتها وحفظها للأجيال لتحكي لهم عَمَّن سبقوهم إليها من أجيال منذ مئات السّنين… وهذه مسألة همّة وكرامة وشرف أيضا…

لكن للشرف أهلُه ورِجالُه…ولا الشَّرف يَقبِلُ بأن يَقترِن بِغير أهلِه والرِّجال…

قبل 3 أيام، وبعد تحذيرات متكررة للسلطات واستغاثات تدوم منذ سنوات، انهار الفنْدق التاريخي/الدّار الذي كان يسكنه منذ عقود طويلة آل الشهداء حَحّاد عبد الرزاق وبُودَرْيَاسْ الأب والابن… انهار وزال إلى الأبد ومعه اندثرتْ الذاكرة الأثرية/العمرانية لِسنواتِ شُيوخ البَلد وقادة العيون وقادة الزّبل والخوجات والريّاس والقوافل والتجار والسُّياح والمجاهِدين الثُّوَّار بعد أن لم تنجح مئاتُ السِّنين في مَحْو أثره، بما فيها 132 عاما من همجية الاحتلال… لكن الفندق/الدار رحل كريمًا حليمًا ولم يشأ أن يُسيء لأهلِه ولماضيه ولا أن يؤذي أحدًا في زفرتِه الأخيرة، إذ أمهلَ سُكانَه لحظاتٍ خاطفة لِيتركوه وينجوا بأرواحهم وأرواح اطفالهم ونسائهم ومُسِنِّيهم… وما إن غادروه حتى انهار كقصرٍ من ورق… إلى الأبد…وهم الآن مشرَّدون مُشتَّتون عند الأهل والجيران…

ومثلما قلنا: للشرف أهلُه ورِجالُه…ولا الشَّرف يَقبِلُ بأن يَقترِن بِغير أهلِه والرِّجال…

فوزي سعد الله
17.11.2019م

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: