الرئيسية / قاعدة بيانات الجزائر - Article / قراءة واسيني الاعرج في رواية «رجل في الخمسين» جيل الضياع الذي يحكي ليستمر فقط

قراءة واسيني الاعرج في رواية «رجل في الخمسين» جيل الضياع الذي يحكي ليستمر فقط

أنت هنا:
  • الرئيسة
  • ثقافة وفنون
  • قراءة واسيني الاعرج في رواية «رجل في الخمسين» جيل الضياع الذي يحكي ليستمر فقط

رجل في الخمسين، رواية عبد الحميد عبد القادر الرابعة، صدرت مؤخرا في منشورات البرزخ، 2019.
من مقدمة الرواية (ص7) يكشف لنا الروائي حميد عبد القادر خيوط ما سيرويه، لكنه لا يقول كل شيء. مجرد سلسلة من الإشارات الأولية التي تسحبنا نحو قصة جيل منكسر على الرغم من قوته الداخلية التي تحولت إلى هشاشة مفرطة، جيل حلم كثيرا قبل أن يكتشف أنه جيل الضياع، كما يسميه الكتاب الأمريكيون Beat generation والذي عبر عنه بدقة الروائي جاك كيرواك في روايته على الطريق التي شكلت بيانا حيا لجيل بكامله، جيل الخمسينيات الذي كبر في الخيبات والقطيعات الكبرى.
فقد استطاع أربعة كتاب: جاك كيرواك، ونيل كاسادي، وآلن غينزبورغ، ووليم بوروغ، أن يؤسسوا لنمط حياة حرة انتهت بهم إلى اليأس والمخدرات. فقد حدد المفهوم جاك كيرواك من خلال تأويل كلمة Beat في 1952 في مجلة «نيويورك تايمز» مغازين: هي أن تكون عند قدمي حائطك دون الشعور بالكارثة. يعني «حيطيست» بالمعنى الجزائري، لتتحول بعد ذلك رواية على الطريق (1957) إلى بيان للحرية ورفض القيم البورجوازية والثورة في وجه أطماع العالم. ستقف هذه الحركة على رأس الاحتجاجات في 1968 في تجمع وودستوك وتؤسس لخيارات حداثية جديدة لثقافة السبعينيات. جيل خسر كل شيء إلا الحلم وإعادة اكتشاف الحياة، جيل بقي حيا من حروب مميتة. المناخ نفسه تقودنا نحوه رواية رجل في الخمسين، من خلال لسان إبراهيم نفسه: «بلغت الخمسين في لمح البصر. لم أعد ذلك الفتى اليافع، ولا ذلك الإنسان المتفائل… أنتمي لجيل عاش الوجع، أصبح جيلا سقيما عليلا، ظل يحتضر، تبخرت أحلامه». (ص20) سوى أن الرحلة بدل أن تكون بالسيارات، كانت على متن سفينة. في الوقت الذي يذهب فيه جيل الضياع نحو إعادة صياغة الحياة يعود إبراهيم، بطل حميد عبد القادر، نحو أميرة نور حبيبته الأولى، وكأن الزمن توقف منذ أن غادرها. حتى وإن أعطت الرواية انطباعا سيريا ذاتيا من خلال اختيار الأنا لرواية الحكاية، ليست رواية رجل في الخمسين، سيرة ذاتية؟ يروي إبراهيم كل الانتكاسات الخاصة والعامة، الوطنية والعالمية، التي جعلت منه إنسانا منكسرا يتساءل ما إذا لم يكن قد أخطأ عندما صمم على العودة ليساهم في دحر الظلامية بحثا عن مجتمع آخر خارج الخيارات الدينية القاسية، تاركا وراءه أميرة، المرأة التي أحبها وأحبته، لكنها لم تفارقه إلا عندما قرر العودة إلى وطنه، انسحبت من حياته نهائيا بلا أدنى ضجيج.
الرواية تنطلق من لحظة اليأس هذه، التي يقرر فيها إبراهيم العودة بلا رجعة إلى باريس بعد رحلة صراعية لم يرث منها إلا الخيبات المتتالية. لهذا بنيت فنيا على المكان المغلق، غرفة في سفينة طارق بن زياد المتجهة إلى مارسيليا، تشبه السجن برقمها المثير B858، وكوة صغيرة يرى من خلالها حياته المنسحبة. يظهر البحر بجبروته وعنفه، شبيها بحركة الحياة المتناقضة. يستعيد الراوي، إبراهيم، حياته وكأنها مجرد رواية تروى لقارئ مجهول مثل قنينة بها رسالة سرية رماها صاحبها في عمق البحر، على أمل أن تصل إلى يد شخص ما ويفتح سرها، ليدرك كم أن آلام جيل بكامله سحقت بشكل عنيف بالتطرفات المختلفة والسياسة والانقلابات والحروب السرية والمعلنة.
استدعى الكاتب لذلك سلسلة من الاستباقات من خلال الأحلام المكسورة التي بقيت ذبالتها الخافتة حية (أميرة) والاسترجاعات التي تستعيد الوقائع المختلفة التي تعطيى الانطباع كأن السارد يتحرك في الخارج مكانيا، وليس في الداخل المغلق، فلا يكسر العمليات السردية، بل يحررها من عقال الغرفة B858. نرى إبراهيم برفقة أميرة نور في جامعة السوربون. كان يظن أن الحب وحده وباريس والتعلم ستجعل منه كاتبا كبيرا. ثلاث سنوات لم تكن كافية لإقناعه بالبقاء هناك، إذ يكتشف أن تجربته في الحياة ضحلة، ولا تكفي لأن تجعل منه كاتبا مهما. يدرك أن عليه أن يعيش تجاربه الخاصة حتى لو عرض حياته للمخاطر، فلا كتابة خارج التجربة الذاتية الحية، بالخصوص وأن بلاده كانت تعيش تجربة قاسية في مواجهة الحركات الظلامية. حس دونكيشوتي عميق يتأسس على براءة ونبل الرغبة في محاربة الظلم الذي يمنع الناس من التمتع بحرياتهم الخاصة.
يخوض إبراهيم المغامرة دون أن يملك لا أدوات المجابهة ولا الإمكانية التنظيمية، إذ لا يمكن محاربة قوة منظمة دون الارتكاز على قوة منظمة تواجهها وتحد من بطشها. لا نعرف الشيء الكثير عن الحروب التي خاضها إبراهيم وإن أعلن عن قوة الجهة التي يحاربها وامتداداتها الأخطبوطية التي قد تهدد فرنسا نفسها، لكن نتعرف على هزائمه المتلاحقة. وهو بهذا يريد أن يوصل لحبيبته بأنه يقاوم في وطنه حتى لا تعبر هذه القوة نحوها وتدمر الحرية التي تتمتع بها.
كان يظن أن الحرب الأهلية في الجزائر ستتوقف بسرعة، لكنها طالت عشر سنوات. عشرية الدم والرماد التي سحبت في أثرها أكثر من 200 ألف ضحية الكثير منها لا تعرف لماذا ماتت. ظل يكتب لأميرة نور، ويصف حربه ضد الظلامية، لكن لا أحد في الضفة الأخرى يرد عليه. رصيف الأزهار لم يعد يجيب كما عند مالك حداد. فقد انسحبت نور نهائيا من حياته كما انسحبت وردة في رصيف الأزهار. فكانت تجربته سلسلة من الإخفاقات نزعت منه كل شيء وحولته إلى جثة تلتصق بها الحياة بصعوبة. حتى تجربة الزواج التي كانت تبدو مرفأ نجاة من مجتمع قاهر ومتخلف، سرعان ما تخيب. لم يكن قادرا على تحمل زوجته التي تركت كل شيء ودخلت في حالات اكتئاب متكررة، واختارت الحجاب والحياة الأخرى التي جاء يحاربها، بالخصوص بعدما اكتشفت أنها عاقر. شيئا فشيئا تعيد تشكيله، تمنعه من الخمرة ومن كل ما يناهض الدين. يفترقان ليختار كل واحد منهما حياته. يعود إبراهيم في سفينة طارق بن زياد إلى فرنسا، وهذه المرة، لا لمحاربة الشمال كما فعل جده طارق، ولكن بحثا عن السلام هناك، وعن حبه الأول. وهو في السفينة، يحاول أن ينسى همومه بالاستماع إلى سمفونية بيتهوفن الخامسة لكيلا يسمع ضجيج المسافرين الذين يتقاتلون على لا شيء، يخرجون بطشهم الداخلي، من أجل فراغ سحبوه وراءهم. لهذا، فالمأساة ليست شخصية، ولكنها تراجيديا جيل بكامله، فشل على طول الخط بعد أن سرقوا منه كل إمكانية للفرح، وأفرغوه من الداخل، ليصبح مجرد قصبة فارغة، لا شيء يملأها إلا الهواء الساخن.

المصدر: https://www.alquds.co.uk/%D8%B1%D8%AC%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%85%D8%B3%D9%8A%D9%86-%D8%AC%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D9%8A%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A-%D9%8A%D8%AD%D9%83%D9%8A-%D9%84/

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: