الرئيسية / قاعدة بيانات الجزائر - Article / قصة كتاب “الظاهرة القرآنية” لمالك بن نبي
الظاهرة القرانية

قصة كتاب “الظاهرة القرآنية” لمالك بن نبي

أنت هنا:

أد. مولود عويمر /جامعة الجزائر 2
تعتبر “الظاهرة القرآنية” أول كتاب ألفه مالك بن نبي (1905-1973) وولج بفضله إلى عالم الكتابة وقاده إلى الشهرة الفكرية. وكان هذا الكتاب من المؤلفات الأولى التي قرأتها للمفكر مالك بن نبي.

ولقد استوقفتني هذه الجملة لما قرأتها للمرة الأولى: “لم يتح لهذا الكتاب أن يرى النور في صورته الكاملة…”، فتساءلت فورا في قرارة نفسي: ماذا وقع للمخطوط الأول؟ ثم قلت: ما هي قصة هذا الكتاب؟

لم أجد الإجابة يومئذ، وبقي السؤال يراودني سنوات عديدة، ولم أتوقف عن البحث. وأقدم هنا اليوم الاجابة الأولية، وكذلك معلومات عن ظروف صدور الكتاب وترجمته ورواجه في الجزائر والعالم العربي وفي أوروبا.

لقد استقر مالك بن نبي في باريس بين 1 فبراير 1942 و1 جويلية 1942 مترددا باستمرار على شعبة حزب الشعب الفرنسي الواقعة في شارع المدارس بالحي اللاتيني. وكان يزور دائما مكتبة سانت جونفييف المجاورة، وهي من أكبر مكتبات المطالعة في فرنسا؛ فكان يقرأ بنهم الكتب خاصة التي تتناول الدراسات الدينية والاجتماعية.
وبعد ذلك غادر باريس إلى ألمانيا للعمل فاستقر 18 أشهر في بوكليز قرب مدينة هانوفر. وفي هذا المكان، كتب المسودة الأولى لكتابه “الظاهرة القرآنية”.

وللتذكير، فإن مالك بن نبي كان مولعا مبكرا بالدراسات القرآنية، وقد دفعه ذلك إلى الرغبة في الذهاب إلى مصر في بدايات الثلاثينيات لدراسة مناهج التفسير في الجامع الأزهر المعروف، ولكنه لم يوفق في كل محاولاته. وكان يطمح دائما أن يقدم قراءة جديدة للقرآن على ضوء الاكتشافات العلمية المعاصرة والدراسات الاجتماعية الحديثة.

ولقد تعرض المكان للقصف الجوي البريطاني والأمريكي فاحترقت نسخة الكتاب ولم بقى إلا بعض القصاصات التي ستساعده في ما بعد في إعادة كتابة النص كله من جديد في ظروف صعبة أخرى.
في سبتمبر 1944 أعتقل مالك بن نبي بتهمة التعاون مع المحتل الألماني، فقضى 9 أشهر في معتقل بيتيفيير Pithiviers ولم يطلق سراحه إلا في 28 أفريل 1945. وبعد أيام، أعيد اعتقاله في سياق مجازر 8 ماي 1945، وسجن مع زوجته في سجن شارتر قرب باريس، وقضا فيه 8 أشهر.

وهكذا عاش بن نبي في مراكز الاعتقال لمدة 17 شهرا من حياته، لكن عزيمته لم تفتر ومشروع كتابته لم يتوقف. ففي هذا السجن أعاد كتابة “الظاهرة القرآنية” من ذاكرته.
وهنا أستحضر مثالين في هذا المجال: المؤرخ فرند برودل الذي كتب كتابه ” البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني”، وسيد قطب الذي واصل تفسير القرآن وكتابة المجلدات الأخيرة من كتابه “في ظلال القرآن”…

واهتدى مالك بن نبي إلى حيلة لإخفاء أوراقه وإخراجها سرا من السجن، فقد سربها عن طريق رفيقه في المعتقل، الفرنسي جورج مارلين الذي كان يعطيها لزوجته التي كانت تزوره باستمرار فتخرجها خفية دون أن ينتبه لها الحراس.
وبعد خروجه من السجن، عاد مالك بن نبي إلى الجزائر في جويلية 1946 وشرع في إعداد كتاب “الظاهرة القرآنية” للنشر سنة من بعد في دار النهضة للأخوين ميموني.

وقد ساعده كل من عبد العزيز خالدي الذي حمل نسخة من المخطوط إلى باريس ليكتب له تصديرا العالم الازهري المقيم آنذاك في باريس، الشيخ محمد عبد الله دراز.
كما ساعده بعض أغنياء العاصمة مثل صالح بن ساعي لدفع مستحقات الطبع. ورقن النص شاب يهودي على الآلة الكاتبة.

عرفت الإدارة الاستعمارية بهذا الشروع والديناميكية التي رافقته للخروج إلى عالم النشر. من أخبرها بذلك؟ لا شك أن لديها طرقها المختلفة وقنواتها المتعددة، غير أن مالك بن نبي كان مقتنعا بأن الشاب اليهودي الذي رقن المخطوط هو الذي نقل الخبر إلى الإدارة الفرنسية!
لم ترتكب الإدارة الاستعمارية خطأ باحتجاز الكتاب أو منع صدوره خاصة وأنه يتناول موضوعا فكريا وعلميا، ولا يتطرق إلى قضايا سياسية. لكنها عطلته على طريقتها الماكرة. كيف؟

لقد نشرت مصالح الإقامة العامة الفرنسية إعلانا في الجرائد بخصوص منح جائزة لأحسن بحث يقدم في مجال الدراسات الإسلامية، وحددت 10 أيام كآخر أجل لتسليم الأعمال؛ فلعل الناس سيعتبرون الكتاب عند صدوره بحثا من البحوث التي قدمت إلى السلطة الإستعمارية، وليس إبداعا من مالك بن نبي وموضوعا إشتغل به بمحض إرادته.

قام مالك بن نبي بجولة عبر بعض المدن الجزائرية الكبرى للتعريف بالكتاب وشرح دوافع نشره التي حددها في نقطتين: أولا: أن يتيح للشباب المسلم فرصة التأمل الناضج في الدين، وثانيا: أن يقترح إصلاحا مناسبا للمنهج القديم في تفسير القرآن. وبين أيضا خلفيات التأليف التي ليس لها أية صلة بما المسابقة التي نشرت في الصحف الاستعمارية.
أما ما يتعلق باستقبال الصحافة الجزائرية لهذا الكتاب، فأشير هنا إلى تقريظ الأستاذ عبد القادر محداد في جريدة “المساواة” حيث مدح الكتاب، وأثنى على الكاتب.
وقد بكى مالك بن نبي عندما قرأ ذلك النص للمرة الأولى. وهذا ما شجعه على مواصلة الكتابة ونشر كتبه الأولى: “لبيك”، ثم “شروط النهضة الجزائرية” عند نفس الناشر.

لا شك أن القارئ ينتظر معرفة موقف جريدة “البصائر” لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من الكتاب؟
إن هذه الجريدة كانت معطلة حينما صدر كتاب “الظاهرة القرآنية”، ولما عادت “البصائر” إلى الصدور في جويلية 1947 نشر الشيخ باعزيز بن عمر مقالا رحب من خلاله بالكتاب وعرّفه للقُراء وأثنى عليه.

كما أقدم الشيخ بن باعزيز على ترجمة تقديم الشيخ محمد عبد الله دراز، ونشرها في جريدة “البصائر”. وهي أفضل من الترجمة التي نشرها عمر كامل مسقاوي سنوات من بعد في الطبعات المتتالية للكتاب.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل تأثر الشيخ دراز بمنهج بن نبي، وسار على خطاه في كتابه “النبأ العظيم”؟
كيف استقبله المستشرقون والكُتاب الغربيون؟ سأكتف هنا بذكر مثالين، كاتب فرنسي وآخر ألماني. كان الأول هو الدكتور بينوا الذي قرأ كتاب «الظاهرة القرآنية» ووجد فيه أسلوبا جديدا في الدراسات القرآنية، فتأثر بذلك وأعلن إسلامه واختار اسم علي سلمان.

وقد كتب في هذا المعنى: «الأمر الرئيسي الحاسم الذي أبدى لي عظمة الإسلام ودفعني إلى اعتناقه هو القرآن. لقد كنت تصفحته قبل إسلامي بروح النقد الموجودة عند كل مثقف غربي، وكان قد ساعدني على إدراك معناه كتاب مالك بن نبي القيم «الظاهرة القرآنية» الذي زادني يقينا بنزول قرآننا».
وأضاف الدكتور بينوا: «ويتضمن هذا الكتاب صفحات من بينها تلك التي تتناول موضوع «المناسبات» حيث يبين المؤلف أن نصوص بعض آي الكتاب الموصي به على نبينا منذ ما يزيد على ثلاثة عشر قرنا تتناسب مع أحدث مبادئ العلوم العصرية وكان من جراء هذه الملاحظات أن آمنت نهائيا».

أما الكاتب الثاني فهو الدكتور أوسكار بفاريس الذي لمس القيمة الفكرية لهذا الكتاب منهجا وموضوعا، فرشح مؤلفه لنيل جائزة جمعية الصحافيين الهنديين التي تكرم في كل عام عملا فكريا متميّزا في مجال الدفاع عن الإسلام وثقافته.
حرص مالك بن نبي على ترجمة كتابه إلى اللغة العربية ليصل إلى القارئ العربي. وقد حقق ذلك في القاهرة التي هاجر إليها في عام 1956. وقام بالترجمة الطالب المصري–آنذاك – عبد الصبور شاهين بإشراف مالك بن نبي، وصدر الكتاب في سنة 1957.

ولا بد أن أشير هنا إلى أن بن نبي طلب من العالم المعروف محمود شاكر أن يكتب تقديما مختصرا لكتابه لكن هذا الأخير كتب نصا طويلا أحرج مالك بن نبي وتردد في نشره.
وقام الطلبة المقربون منه كالمغربي عبد السلام الهراس واللبناني عمر كامل مسقاوي بالترويج لهذا الكتاب بالتعاون مع بعض العلماء والمثقفين المصريين مثل محمود شاكر وسعيد العريان وأحمد حسن الباقوري، وزير الأوقاف المصري آنذاك…الخ.

لقد طبع كتاب “الظاهرة القرآنية” عدة مرات وآخرها طبعة البرهان، وإعداد الباحث التونسي الدكتور محمد الطاهر الميساوي الأستاذ بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، ونشرت حوله دراسات عديدة في لغات مختلفة.
هذه باختصار قصة الكتاب الأول لمالك بن نبي، الذي كتبه مرتين، وحقق له شهرة عالمية بفضل موضوعه الجديد ومنهجه الفريد.
______________________
المقال نشر في يومية الخبر ضمن ملف حول مالك بن نبي
يوم الخميس 29 أكتوبر 2020

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: