قنزات … رحلة بالأوصاوف

أنت هنا:

بقلم : إسعد قنزات (*)

قنزات قمر يعلو أوساطها وفي ليلة سوداء أضاء رحابها والنجوم من حولها تصنع قراها. جبال و وديان تفصل مداشرها. جمال شروق الشمس فيها يرسم صورة للبهاء لا جمال يضاهيها يغيني له الطير وترقص له الأشجار على سنفونية أتقن الطير لحنها وأطرب بالتغريد مرآها. وغروب الشمس فيها يعانق الخيال وتنحني له الجبال مودعة كمن يودع عزيزا إذا رحل. قنزات سراج أنار القلب الحزين في ظلام دامس و نسيمها يشفي العليل بعد طول السقم. يا بساط الريح إحملني عاليا لأجوب أطرافها و أصول في خلال قراها وأزقة مداشرها كزائر يسبق الشوق ممشاه ويغلب الشوق مزاره. يا بساط الريح احمل معي كل من انتابه الشوق لرؤياها وانطلق بنا في عمق ذكراها وسافر بنا بين الشوق والحنين لرؤياها.

سيدي الجودي أو ثيكنيتشوث يا متعة الزائر ويا بوابة قنزات من غربها حمل اسمك مجد البطولات وأنار درب التاريخ فينا. سيدي الجودي ذاك البطل الحربي الذي دق مسامر النصر في جيجل عام 1664 مدافعا لتحريرها من الغزو الإسباني الفرنسي سيدي الجودي الذي بتر سيفه حبال المد التركي على منطقة القبائل وأوقف زحفهم على مشارف منطقة زمورة وقال هذه الأرض لها أبناء يحبون الموت كما تحبون الحياة فلن تدخلوها. قرية هادئة وصوت غابة علال يناديها وبوخميس في كل صيحة يجيبها. وتتغنى بدواوين المجد فاخرة بما ربت الأمهات من أجيال ورثت الأخلاق وحسن الكرم.

إسومار تطل من خلف الواد مبصرة وعطر الشرف فيها فواح أحفاد الهاشمي أومالك وغيرهم من الأقران بسطوا للعيش الكريم خير طريق مفروش بالدين والأخلاق ووحدة النسب. سيدي الهاشمي أومالك أنجب سيدي أحمد أومالك الذي فتح أطراف تيزي وزو و بنى للعلم فيها حصنا منيعا واتسع بعلمه أوساط بوزڨان و أزفون وجوارها وورثه أبناءه من بعده من زكري وسيدي الموفق وسيدي الموهوب وغيرهم. إسومار عين باردة لا يجف الماء فيها تتوسط القرية وتستضيف بكرم زائريها ومسجد يجمع القرية في نهج واحد ومن حوله ديار تصنع للطبيعة جمالا.

ثامدة قرية نزور الأطلال فيها قرية دمر الإستعمار مبناها. قرية في عش والعش في غابة. ديار من حجر وطين كطرز على سجادة. ظروف العيش كانت قاهرة والمستعمر زادها على القهر تدميرا فهاجرها الأهلو وتفتحوا في البلدان وكانوا من خيرة من الأبناء وفاءا بها وساروا في درب العمل الصالح وبلغوا مرسى النجاح ومثلوا اسم قريتهم وحملوا لواءها عاليا. قرية لا تختلف عن أرضها بكثير فهي تبدو قطعة من الأرض لولا القرميد فيها. حقول محيطة بها جميلة ومريحة لزائريها وجد القرية الأكبر سيدي الخيضر في قبره يحن لزائريه من أحفاده

ثيغرث وإيث قري جامعة وهي جزء من الطبيعة لمن يراها ومن فوقها القلعة وجامع أوقري يعلوها بيوت حملت بداخلها أبطالا و أنجبت للجزائر من تعتز بهم بين الأوطان. أحفاد سيدي محند أوقري نسجوا في سجاد التاريخ خيوطا علما وكفاحا ثقافة وسلاحا. سي الطيب عبد الحميد وكل من صنع بدمه مفتاحا لباب الحرية. رجال طرقوا باب العز والشرف ففتحوا لقنزات بابا في العلم ومنارة للقرآن. قرية يكاد يسمع صوت الهدوء في القلب هامس فكيف إن إلتقيت بأهلها فالقلب مرتاح والصمت والهدوء مرساهم.

ثاماسث يا بسمة قنزات حين نراها وفي كل باب دار فيك بسمة تريح خاطر من أتعبه الحزن و الألم بسمة الدابراهم نيث علي عاشت على وجهه واستقرت وهي نفس بسمة أهل ثاماسث وجمالها. بوزناد أحمد سالم فيك قد حمل لواء المجد في قنزات واصطف من حوله شهداء أبرار فنال لقب أول شهيد في شمال سطيف. بوزناد مزيان أطرب بالعود قلوبنا وتغنى بالمجد والحرية و تغنى بالحب و الوطنية وهو من غنى يا طير سلم على إيث يعلى فطيرك قد أبلغنا السلام ورحبنا به وأجبنا أنت الغالي يا دا مزيان شرفت إسم قنزات في الإذاعة والمسرح فكيف اليوم ننساك.

أغلاذ نصالح أيها الجدار المنيع الذي يجمع قرية بأهلها في عز وكرم. أغلاذ بالأمازيغية جدار وقد صدق من سماك أغلاذ فقد قاومت بصمودك وبرهنت بأبنائك الذين غزوا أقطار الجزائر من باب العلم ومن باب المعرفة. لكم بصمة عريضة يا أبناء أغلاذ نصالح في التاريخ فالتاريخ لا ينسى صنع الرجال مجد وبطولات وبصمتكم في الوطن بصمة خير و نجاح. قرية تحيط بمسجد وعين باردة فقد خاب من لم يراها. أزقة ضيقة ببنائها ورحبة واسعة بأهلها وكرمها.

صعدت على بساط الشوق عاليا أجوب قنزات واصفا أتمايل والحنين يدفعني كيتيم يرى في كل وجه صورة مفقوده. رحلة على سمائك يا قنزات تسر الناظرين. جبال كلوح مرسوم على أرضها ووديان كخطوط حرث خطت بإتقان. بني ورثيلان تأنس جوارها بالعلم وطيبة أهلها وجبل أزرو يفلان يعانق سماها وهو أشبه برجل متمدد ورأس رجل شهم كصورة تزين أطراف قنزات. إلماين تلقي بحكمتها شعاعا و إيث حالة موطن الزوار فيها. قنزات قبلة على جبين الأرض بادية و للذكريات فيها عطر فواح. قد تتغير الظروف والحلة وقد تسوء وتتحسن فيعيش فيها ذاك العطر سنينا وحب قنزات لا يساوم بثمن فالإنسان بلا موطن هو إنسان بلا هوية. وإن قيمة الموطن لا يمكن أن تحصر في بضع كلمات فيا قنزات إيث يعلى أرجو العذر منك إن خانتني حروفي وأرجو العفو إن أنقصت فيك قدرا فما أنا إلا عاشق للأرض حاول أن يتغنَّى. ومهما سافرنا في الأوطان وتجولنا ففيك يا قنزات روح الحب والعشق كله ومسقط الرأس كعش يأوينا إذا غدونا.

يقول الشاعر مصطفى صادق الرافعي:

ألم ترَ الطير إن جاء عشه… فأواه في أكنافه يترنَّم

يا بساط الشوق توقف أو تمهل قليلا على رحاب مركز قنزات نلقي سلاما على أهلها صغيرها وكبيرها. لوطا نسوق تتوسط أحياءها ورحبة السوق يوم الأربعاء فيها عاشت عقودا من الزاطي إلى إغزر نتالا شرع يداوي الجراح من مضارب الأهل و مجمعهم جميعا مسجد الجمعة العتيق فيها يعلو بصوت الآذان كل حين صلاة و يزهو معمره في رمضان والأعياد. ويقابله مسجد سيدي علي أوخليفة في زمن قريب مدرسة للقرآن وكانت عنوانا. و رمز الأمازيغ يداني مركزها وجمال كتحفة تزين وسطها و رمز ثبات لهوية تعنينا. أين شيوخ لوطا نسوق بوقارهم سي حمانة نطاهر أوسليمان و زي الخير أوشرڨي ومن قبلهم من الأخيار. كلامهم علم وثقافة وحكمة تعلو مجالسهم و في زيهم وكلامهم رمز للهوية ورمز للرجولة تستقطب سامعيهم.

يا قنزات الأحباب والخلان … فيك الشفاء لعاشق ولهان
بلد المحبة والسلام تحية … يا زينة الأوطات والبلدان

الزاطي ولحدادة وسيدي موسى و الحارة وادا وثيغيلت قد بزغ ثراها من خلف مسجد الجمعة العتيق يشع جمالا. قصبة قنزات ورحم الله من بناها. مثال حي ووجه لمنطقة القبائل في عمرانها. أزقة ضيقة وشعب متفرقة تنسي السبل لمن لا يعرفها وفي بهائها راحة عين للزائرين. قلوب أهلها تنبض بروح ود للعالمين وتجاور وترحب بمن يقصدها. أحياء لها إطلالة على إيفرسن و إغزر نبوسرذون كأنها قلعة حصينة فوق هضبة تعلو على واد وحقول زيتون من جنان الأرض. وشفاء لمن يرجو الدواء بعد طول سقم وأنينا.

ثانقوشث وسوق وادة واوشية وثيبراحين دار نُحنُّ إليها كلما ذكرت كأنما هي من أكبادنا قطع. موروث العمران فيها كأنه رسم على لوحة تمتع الناظرين. إغيل الأربعاء فيه نسيم يحيي الأنفاس من أعماقها ويطيب للخاطر مرآها لها نافذة على جبال جرجرة الشامخة وتستقطف النسيم منها حين تضيق. مدرسة ميدوني الشريف منبع العلم فيها ومسجد القدس تعلو فيه الصلوات والترتيل. ومسجد سيدي إبراهم بواوشية كان قبلة للحافظين.

بوزوليث وثادارث تعلو مشارفها من تحت جبل تتوسد غابتها. مسجد سيدي عبد السلام ومسجد سيدي صالح يجمعنا. طيبة الأهل وذكريات الصبى تثير أشواقنا وتريح الأنفاس عنا في ضيق و ألم فنحن لذكراها على بعد. لجماعة أوفلا ولجماعة وادا رحبة الشيوخ والشباب تواسي الديارا وتجمع أبناء الحي في أخوة و صحبة وجيرانا. أسقيف وحلوش مفترق الطرق بين شعابها ومجلس المصلين و ملتقى الأهل فيها. ثارڨا نبوفكالا وألم نشريف و ثيرمت ولوطا أوفلا رسمت صبانا ونحن فتية نقفز ونلهو ونرسم أمانينا.

قم يا بساط الشوق راحلا سنزور قنزات على أرجائها ونطوف بديارها و أطرافها. بساط الشوق يعانق سحاب قنزات ودًّا ويسرع في نسيمها ليلاقي المحبوب و يسبح في سمائها بالحنين ويمد بخيوطه للأهل مرحبا يربط وصال النسب بعقدة لا يفك مربطها ويجمع القلوب في نسيح الأخوة منسوجا. قنزات روضة و الأهل فيها أزهارا و ورودا والبيوت فيها مرصوصة ناصعة كعقد من حليّ على جبالها و المساجد فيها منارات تضيء القلوب تلاوة . جمال الطبيعة فيها تزاوج بتاريخ عريق مجد ونضال.

أيا سائلا عن قنزات وأهلها….سيخبرك التاريخ قبل السؤالا
لها ماض عريق والكل يعلمه….شيب وولدان ونساء ورجالا

ثاوريرث يعقوب وأهلها صنعوا لتاريخ قنزات عنوانا فيها قد حط جدي يعلى رحيله بعد قدومه من قلعة بني حماد عام 1061 وجعلها مستقرا و سميت قنزات من بعده إيث يعلى وعلت في الأرض نفيرا. وعين عباذ وثالا مرزو فيها تنفجر من صخرة وتشفي الغليل بماء بارد فياض غير بخيلا. و أحفير فيها يقابل بوراشحن من علو ومسجد بينهما يشد الوصال. ضريح جدي يعلى يستهوي الزوار وتعشق العين ذاك المزار. أغزر وامان وأرجذال من جنان ثاوريرث يعقوب وقد حباها الله بأجود الثمار من تين ومشمش ورمان و أكانطولي على مرتفع يثري الجمال. من منا ينسى سي رزقي خلفون النوي وزي علاوة شبوتي وزي حميمي خلفون وزي حميمي أوشيش و زي قاسة لحمر و زي الصديق عبدو و زي خليفة إسماعيل كلهم من الأخيار الأحياء منهم والأموات. وفيها عشنا أحلى الذكريات فهل ننساها يا قوم فهذا هو المحال. ولو هاجرها الأهل لظروف فلن ينكروها.فالطير مهما غاب عن وكره لا محال يرجع وليس في ذلك إذلالا.

إغيل حموش يا لؤلؤة من جواهر قنزات في عقدها يلمع من كل المشارف على قرى قنزات. قرية صغيرة بديارها كبيرة بأهلها كقلعة تبدو على هضبة دون أسوار ولا جدران. قرية رحبة تستقبل الأهل والزوار. مسجد من حجر وتحفة عمرانية صغيرة زاد من بهاء القرية صنيعا و فناء بقربه تقام فيه الأفراح. قرية نقية نظيفة بارزة الأوصاف و في أهلها بذرة أنبتت مكارم الأخلاق و أنبتت ثمار العلم في الأوطان وحمل البروفيسور يونس ڨرار فيها لواء العلم مجتهدا و أبلغ البروفيسور إلياس كرار في الإقتصاد جامعات أروبا وبنوا على ساحة العلم المنابر فيها. رجال أكفاء كانوا في الثورة أبطالا ومنهم من بنى للعلم أركانا. هي قلعة الأسود للمجد صانعة. ترابها ارتوى كرما و أهلها صنعوا حسنا علما ونضالا.

إغوذان و رحم الله من سماك جميلة فزادتك طيبة الأهل جمالا. علما أن إسم إغوذان بالأمازيغية معناه الجميلة. وبجننبها بوعذلتن تجاورها و تتغنى بالنسيم وتزف بورد اللوز عطرا وأرضها عنبر وريحان. سكنت البشاشة وجوه أهلها واستوطنت في القلب زمانا. إغوذان يا أهل العز و الكرم وصوت الأنغام يردد صدى القلوب وينادي في الجبال والوديان. قرية هادئة هدوء ساكنيها وهم أهل أفعال و أقوال ولا يبيت الهم والحزن فيها. قرية بجنانها خضراء وفي الربيع تتلون بزهر الورد بيضاء والشمس حين تدنو الأرض فيها تزاوج عروسا جف اللسان عن الوصف فيها.


(*) صفحة الكاتب في فيسبوك

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
3.5 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 0%
3 Stars 100%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: