هكذا كان يفرح أجدادنا ويُعَرِّسون…

أنت هنا:

“…من بين الإشارات النادرة إلى الموسيقى في الجزائر في هذه الفترة ما ذكره الأسير الإسباني في مدينة الجزائر من 1578م إلى 1581م دْيِيغُو دِي هَايِيدُو (Diego de Haedo) في كتابه الشهير Topographie et Histoire générale d’Alger (الطُّبُوغْرافيا والتاريخ العام لمدينة الجزائر) الذي نُشِرَ لأوّل مَرَّة في مدينة “فَالاَدُولِيدْ” (أي “بَلَدْ الوَلِيدْ”) الإسبانية عام 1612م. عندما تعرض دْيِيغُو دِي هَايِيدُو إلى “التقاليد وطقوس الزواج” عند الجزائريين في مدينة الجزائر، كتب بأن “…العُرْس يتم على إيقاع “الصُّنُوجْ” والدَّرْبُوكَة اللتيْن تنقر عليهما نساء عربيات يُسَمَّيْنَ “المْسَامَعْ” اللواتي يَعِشْنَ على هذه الحِرْفَة…”. وهو يقصد دون شك طقوس العرس النسوي دون “الآلي” الذي تُعزَفُ فيه وتُغنَّى الموسيقى الأندلسية و”الحْوَازَة” و”العْرُوبِيَّاتْ” ليلاً للرِّجال. ويبدو من خلال وصفه للعُرْسِ الجزائري في مدينة بني مزغنة، التي تَحوَّل اسمُها إلى مدينة الجزائر منذ حلول الأخوين عروج وخير الدين بها، أنه لم تحدث تَغَيُّرَاتٍ تُذكَر على طقوس الأعراس التي تُحْيِيهَا “المْسَامْعِيات” أو”المْسَامَعْ” أو”المْسَمّْعَاتْ” منذ عهد هَايِيدُو، أي منذ القرن 16م، إلى غاية عهد مَرْيَمْ فَكَّايْ وفضيلة الجزائرية والشيخة طِيطْمَة، أيْ نهاية القرن 20م التي بدأت تشهد تراجع هذه الظاهرة لصالح قاعات الحفلات التي توصف بـ: “العصرية” وطقوسها الجديدة…

وقد ورد ذكر “المْسَامَعْ” أيضا في كتاب الحاج أحمد الشريف الزهار نقيب أشراف الجزائر وهُنَّ “يَضْرِبْنَ دُفوفهُنَّ عند باب الوْطَاقْ (أيْ الخَيْمَة بِلَهْجَةٍ تركية – جزائريةNdlr ) ويَنْصَرِفْنَ بعد أن يُحسِنَ البايُ إليهن…”، أي باي وهران “محمد باي” عند قدومه إلى مدينة الجزائر لأداء مراسيم التعيين أو”الدّْنُوشْ” في عهد الداي محمد عثمان باشا (1766م-1791م).

كما يبدو من خلال شهادة نقيب الأشراف بأن هذه التقاليد كان يشارك فيها أهل الموسيقى الأندلسية لمدينة الجزائر إذْ، على حد قوله، بعد عزف جوق الأتراك على مزاميرهم للباي “عندئذ يدخل أصحاب الآلة الجزائرية فيجلسون بين أيدي الباي، ويضربون الربابة والكامنجة والعيدان. وعند انتهاء المجلس يُحسن إليهم ويذهبون كلهم وينام الجميع.” (انظر أحمد توفيق المدني: مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار نقيب أشراف الجزائر. ص: 38. الشركة الوطنية للنشر والتوزيع. الجزائر 1974م). وقد ذكر الزهار أيضاً (ص:145) أن الداي حسين، آخر دايات الجزائر، أقام يوم اعتلائه الحُكم في البلاد إثر وفاة علي خوجة “نزهة في تلك الليلة في باب الجهاد”، ويطلق عليها أهل مدينة الجزائر بالعامِّية “نْزَاهَة” تعزف فيها الموسيقى الأندلسية لساعات طويلة حول أطيب المأكولات والمشروبات. وقد تناول تقاليد “النّْزَاهَة” في مدينة الجزائر…

الباحثُ الفرنسيُّ جُولْ رُوَّانِي في كتابه حول الموسيقى العربية يذكر ويصف في كتاباته مشاهد مشابهة، لأن هذه العادة كانت لا تزال موجودة في نهايات القرن 19م عندما زار الجزائر ودرس موسيقاها بالتعاون مع الشيخ الفنان الكبير محمد بن علي سفنجة وتلميذه إيدمون ناثان يافيل.

من جهة أخرى، يبدو أنه يحق لنا المغامرة بالقول إن أعراس اليهود في مدينة الجزائر، حسب وصف هاييدو لها في نهايات القرن 16م، لم تكن تختلف كثيرا في طقوسها عن نظيراتها عند المسلمين بدليل أنه لم يسترسِل في وصف دقائقها كما فعل قبلها مع أعراس المسلمين، وقد يكون فعل ذلك منطقياً تفاديا للتكرار…، مما يوحي بأنها متشابهة عموما. وتحق هذه المغامرة أيضا نظرا لمشاركة المسلمين في أعراس اليهود إذْ “…تأتي كل النساء اليهوديات لكي يرقصن ويغنين ويعزفن على الآلات…” بحضور المسلمين والمسيحيين، على حد تعبير هاييدو، وتحت حراسة الحُرَّاس من الانكشارية حمايةً لليهود من اللصوص عند الضرورة….”.

فوزي سعد الله: صفحات مجهولة من تاريخ الغناء الاندلسي…” دار قرطبة. الجزائر 2011م.

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
0 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 0%
3 Stars 0%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: