الرئيسية / قاعدة بيانات الجزائر - Article / هل قتل عروج سلطان الجزائر سالم التومي؟

هل قتل عروج سلطان الجزائر سالم التومي؟

أنت هنا:

بقلم: فوزي سعد الله

كثيرا ما تُختّزل الأحداث التاريخية فتتميَّع وتبتعد عن حقائقها التاريخية، وهو ما يجري مع العديد من القضايا المتعلقة بالحقبة العثمانية من تاريخ الجزائر التي كان لها ما لها وعليها ما عليها… انتقال السلطة العنيف من سالم التومي الثعالبي إلى عروج ثم شقيقه خير الدين يُعد أحد هذه النماذج التي تُؤخّذ فيها الأحداث مبتورة من سياقها التاريخي وملابساتها المُعَقَّدة بمختلف أبعادها المحلية والوطنية والدولية. الانقلاب على سالم التومي وقتله يُختزَل عادةً في عملية ومشهد اغتياله في الحمَّام، كما يشيع، بنزعة واضحة لإثارة التعاطف معه والتنفير من خصومه، لكن لا تُذكَر في غالب الأحيان أخطاؤه وبعضها كبير وفادح… وفي الحقيقة، قبل كل شيء، من حيث التفاصيل، عملية قتل سالم التومي ليس ثابتا تاريخيًا حتى الآن هل نفّذهاه عروج بالذات مثلما يتردَّد أم كلّف غيره به مثلما غير ثابتة كيفية قتله: خنقًا باليد أو بغير اليد أو برفع درجة الحرارة داخل الحمَّام حتى الاختناق أو بالطعن… أمَّا السياق التاريخي، المغَيَّب عادةً، فهو سياق حرب جيوسياسية شرسة بين مسلمي المغرب العربي والإمبراطورية العثمانية من جهة والإمبراطورية الإسبانية من جهة أخرى إثر سقوط غرناطة في نهاية القرن 15م، التي كانت الجبهة الأمامية للدفاع عن غرب العالم الإسلامي فأصبح هذا الأخير في الواجهة بلا غطاء أمني ودون قدرات على المواجهة بعد انهيارها…

السياق التاريخي مهم، لأنه يخبرنا بوجود صراع فريقين على السلطة لأسباب عديدة ومتشابكة حيث كان لسالم التومي أنصاره من جزائريي ذلك الوقت من نُخبه القديمة، وكان لعروج أنصاره أيضا من الجزائريين الذين التحقوا به من مختلف جهات البلاد، جيجل وبجاية ومدينة الجزائر وغيرها من الجهات، ومن بعض النُّخب المحلية القديمة أيضا الغاضبة مما اعتبروه تواطأً لسالم التومي وحتى خيانة مع الإسبان، الأعداء الأخطر آنذاك، من أجل حماية حُكمِه بأيّ ثمن مثلما يتكرر اليوم… ولا ننس أن الأندلسيين اللاجئين في الجزائر، وهم أكبر ضحايا الإسبان الذين اضطهدوهم، كانوا يشكلون نسبة هامة من رجال وقوات عروج…

في نهاية المطاف، حُسِم الصراع بغلبة الفريق الثاني بفضاضة ودموية مثلما كانت تنتقل السلطة ويُتدَاول على الحُكم عادةً آنذاك في الجزائر وفي غيرها، لا سيَما في ظروف الاضطرابات والأزمات…

تقريبًا نفس الظروف وقعت مع حاكم تلمسان الزيانية، ربما في ظروف أكثر تعقيدا وخطورةً مما حدث في مدينة الجزائر. واختزالها في قتل الأمير الزياني لا يوضِّحها ولا يفيها حقها بقدر ما يغطِّي على أخطاء كثيرة وقعت في تلمسان آنذاك، حيث وقعت فيها تحالفات ثم خيانات دخلت فيها إسبانيا على الخظ، كما وقع أيضا في إمارة تنس مع حامد العابد، بالإضافة إلى صراعات القصر الزياني على الإمارة… وحتى في تلمسان كان الناس منقسمين بين موالي لهذا الطرف أو لذاك…

فيما يخص المساجد، التي يقول البعض إإنها هُدِّمتْ من طرف العثمانيين لبناء ما ينسجم مع رغباتهم، لم يسبق لي أن صادفتُ كتابا أو دراسة جدية، تقول إن العثمانيين هدموا مساجد في الجزائر وبنوا ما يُناسبهم، هذا لم يقله حتى أعداؤهم اللدودون الإسبان آنذاك. بل حافظوا على ما، كان موجودا وجددوه وأضافوا له ما أضافوه ولم يكن بمنطق “ما يناسبهم” أو حسب أذواقهم بالضرورة. فجامع سيدي رمضان السابق لوجودهم حافظوا عليه وما زال أهل المدينة يصلون فيه إلى اليوم، وكذلك “جامع السيدة” المقابل لدار الإمارة، “قصر الجنينة” اللذان هدمتهما إدارة الاحتلال الفرنسي. وبُنِي في عهد العثمانيين جامع سيدي محمد الشريف وجامع صفر، حاليا سفير، في مرتفعات المدينة بـ: “الجبل” والاثنان أيضا موجودان إلى اليوم، بمبادرات من شخصيات عسكرية و مدنية ولم تكن أًصلا حكومية، وكذلك جامع ميزو مورتو (Mezzo Morto)، وكان في عهده حاكما للبلاد وهو من أصل إيطالي، وجامع علي بتشين (Piccininni)، وهو أيضا إيطالي، والجامع موجود إلى اليوم قرب عين الشارع، في حومة زُوجْ عْيُونْ، وبُني بطراز هجين فيها ما هو أندلسي/مغاربي كالصومعة المربعة وفيه عناصر جديدة. ولم يُمس الجامع الكبير المبني في عهد المرابطين بطراز أندلسي/مغاربي أيضا شبيه بجامع قرطبة، وهو قائم في مكانه قرب ساحل البحر إلى اليوم، بل تمت رعايته وبُنيت قريبًا منه جوامع ومساجد جديدة كجامع القَشَّاش الاندلسي، قرب قهوة التلمساني الحالية في شارع البحرية، والجامع الجديد، غير البعيد عنه، الذي يغلب عليه الطابع العثماني/البيزنطي مع مئذنة مربعة على الطراز الأندلسي/المغاربي، وهو إلى اليوم يتوسط ساحة الشهداء…إلخ…فيما يخص القوات العسكرية والحاميات، التي قيل عنها الكثير كأداة احتلال، سبق لي أن قدّمت أرقاما تتحدث بنفسها عن حجمها وواقعها آنذاك حيث قُدِّرت قوات عروج عندما حلَّ على متن سفنه في ساحل جيجل قادما من تونس ببضع مئات، ما بين 200 إلى 300. وفي أوج قوة الدولة الجزائرية في العهد العثماني وقواتها المسلّحة لم يتجاوز عددها ما بين 12000 إلى 15000، وكان من ضمنهم جنود محليين ولم يكونوا بالضرورة كلهم عثمانيين، فضلا عن العثمانيين المندمِجين منذ قرون في البلاد وأصبحوا جزائريين… لكن التاريخ الاستعماري الفرنسي في القرن 19م كان يُصوِّرهم كأجانب وليس كجزائريين، وهناك مَن أعْجبتْهُ الفكرة، مثلما فعل أيضًا مع الهلاليين وغيرهم…وكان العدد الغالب للقوات المسلحة الجزائرية حينذاك عند الحروب يتشكَّل من المقاتلين المتطوِّعين ومن قبائل المخزن الذين كانوا يلتحقون بالعاصمة الجزائرية من كل جهات البلاد وحتى من الصحراء مثلما وقع في عام 1776م عند محاولة الإسبان غزو مدينة الجزائر بحريًا بأسطول ضخم، كأسطول الإمبراطور شارل الخامس في 1541م، بقيادة الكونت أوريلي (O’reilly). ولم أجد في تلك الأحداث، مثلما يدّعي بعض الجزائريين والأوروبيين، ما يدل على أن هؤلاء المتطوعين والمخازنية الجزائريين، الذين قاتلوا باستماتة دفاعا على الوطن والدين والكرامة وأفشلوا الهجوم الإسباني الكبير، كانوا ينظرون إلى سلطاتهم وحُكّامهم حينها على أنهم استعمار… ولا المؤلفات الجزائرية لذلك العهد قالت ذلك…أما سياسة التَّتريك، التي نُفِّذتْ فعليًا في المشرق في أواخر العهد العثماني، فلم توجد أبدا في الجزائر، ولا توجد آثارها في المؤلفات القديمة الجزائرية والغربية. بالعكس، كان العثمانيون في الجزائر، وهم ليسوا بالضرورة أتراكا، يختلطون بالجزائريين بالزواج ويندمجون بشكل عام في مدى جيل إلى 3 أجيال متبنِّين العادات والتقاليد المحلية مضيفين لها تلقائيا ما كانوا عليه من أساليب العيش في بلدانهم الأصلية في تركيا وألبانيا واليونان وقبرص وجورجيا وبلغاريا إيطاليا وإسبانيا وهولندا…، وهم موجودون إلى اليوم في الجزائر ومعروفون من ألقابهم على غرار إزميرلي، اسطنبولي، روميلي، رودوسي، قبرصلي، دَوَجي، قهوجي، عَرَبَجي، كْرِيتْلِي، بن كريتْلي، بوخُدْمي، وَلْد البايْ، قازْداغْلي، كولوغلي، أرناؤوط، بورصالي، مالْطِي…إلخ. ولا يجب إغفال أن أب الحركة الوطنية الجزائرية، التي آل نضالها إلى تحرير البلاد من الاحتلال الفرنسي سنة 1962م، وهو مصالي الحاج، ينحدر من هذا الاختلاط العميق والثري بين الجزائريين العثمانيين والجزائريين المحليين… لقد كان الوضع مختلفًا في الجزائر عنه في المشرق…

هذه هي الوقائع، أما الأحكام، فكلٌّ حرٌّ في أحكامه، لكن تلك التي تبقى وتدوم هي القائم منها على الحقائق، والباقي عمرُه قصير وسرعان ما يلفظه التاريخ مثلما يلفظ منذ عقود أحكام المؤلفات الإسبانية غير الموضوعية بشأن الأندلس ومسلميها التي أُلِّفت خلال القرون الخمسة الماضية…وبسواعد إسبانية.

المصدر: يومية الحوار

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
0 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 0%
3 Stars 0%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: