وثيقة: بيان حول الوضع السياسي الراهن

أنت هنا:

نص البيان

إن الانسداد السياسي الذي استفحلت مظاهره في البلاد هو نتيجة التمسك بأساليب الحكم الفردي، والتعويل في كل مواعيد الاستشارة الشعبية على التزوير والتزييف وإعلان النتائج المفبركة، والتي لم تستطع، على الرغم من كل ذلك، إخفاء عزوف الشعب عـنها، وفقدان الثقة في قدرتها على تغيير الوضع الذي كان يزداد سوءًا في البلاد عَـقِـب كل مسرحية انتخابية. وكان من النتائج البارزة لمصادرة الإرادة الشعبية أنْ قَـويتْ واشتدّت هيمنةُ السلطة الحاكمة على الحياة السياسية، والإصرار على إفراغ المؤسسات الوطنية من وظائفها الحيوية، بما فيها الرقابية منها، وإبعاد الشعـب عن ممارسة مهامه الرئيسية في ضمان شرعية الحكم، والحفاظ على السيادة الوطنية المقدسة.
ولذلك، فإن استمرار الحراك الشعبي وإصراره على تحقيق مطالبه المشروعة في بسط سيادة الشعب على الدولة ومؤسساتها، يعطي إجابة واضحة ومقنعة بان المسار الذي انطلق يوم 22 فيفري لم يكتف بإسقاط العهدة الخامسة فقط، بل كل الممارسات التي أوصلت البلاد إلى ماهي عليه اليوم والتطلع إلى عهد جديد قوامه دولة القانون بمعايير بيان أول نوفمبر 1954، فالحراك بقي محافظا على إصراره طيلة ثمانية أشهر ولم ينكفئ ولم يتراجع، غير مكترث بمن يشكك فيه أو يتساقط على طريقه أو من يحاول استغلاله أو استغفاله أو المراهنة على انقطاع نفسه.
لقد ظهرت في سياق هذا الحراك مبادرات كثيرة تحت أشكال متعددة صدرت عن شخصيات وجمعيات وأحزاب سياسية ومنتديات لم تعبأ بها السلطة جميعا، وظل النظام محافظا على أساليبه القديمة في التعامل مع هذه الثورة الشعبية السلمية، ظنا منه إنها حدث عرضي فاكتفى بتوجيه الأنظار نحو محاربة الفساد لتخفيف الاحتقان الشعبي، وإنه لمن البديهي أن سياسة محاربة هذه الآفة على أهميتها، تقتضي أولا محاربة الاستبداد السياسي، بإقامة نظام ديمقراطي على أساس التداول السلمي على السلطة والفصل بين السلطات واحترام استقلال القضاء وحقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
ليس من مسؤولية الحراك الشعبي أن يعطي حلولا سياسية جاهزة للانتقال من عهد طال أمده إلى عهد تعسرت ولادته، بل يتمثل دوره الأساسي في تغيير موازين القوى ميدانيا لتمكين نخب المجتمع من أحزاب سياسية ونقابات وجمعيات وشخصيات من تقديم تصور شامل عن منظومة حكم جديدة تقوم على احترام سيادة الشعب في اختيار ممثليه لتسيير شؤون الدولة والمجتمع.
وانطلاقا من هذا التصور الموضوعي، فإن الأغلبية لا ترفض الانتخابات الرئاسية رفضا عدميا، بل إن موقفها مبني على قناعات راسخة بما في ذلك من تحمسوا للانتخابات في بداية الأمر، فقد وقف الجميع على حقيقة النظام الذي لازال يحتفظ لنفسه بمبدأ الرعاية الحصرية للشأن السياسي، والتي تحمل في جوهرها عقلية وصائية تتنافى مع الدستور في تحديد مفهوم السيادة الشعبية، إذ أصبح الدستور لعبة السلطة المفضلة تارة بتفسير جامد للنصوص للرد على كل طرح يؤسس للتغيير الحقيقي، وتارة أخرى بمرونة فائقة تماشيا مع مقتضيات وحاجيات السلطة، بهذا المنطق، لا يكون الدستور أرضا مشتركة ولا سقفا يحتمي به الجميع، بل مجرد وسيلة في يد من يملك القوة وأداة لكبح ديناميكية التغيير السلمي.

لم تجد السلطة من سبيل للخروج من أزمتها المزمنة، إلا محاولة المرور بالقوة نحو الانتخابات، عن طريق التضليل باسم الشرعية الدستورية في فرض قبضتها الحديدية وتأكيد وصايتها الأبدية على الشعب، من خلال تشكيل لجنة صورية للحوار لتمرير خارطة طريقها دون حوار حقيقيّ، والنتيجة هي تشكيل سلطة وطنية مستقلة للانتخابات، دون توافق مسبق مع الفاعلين السياسيين ونخب المجتمع، حيث ضاعت الاستقلالية تحت وطأة التعيين العلني المفضوح لأعضائها، وكان من الاصوب أن يُسند أمر استدعاء الهيئة الناخبة لهذه السلطة لو كانت فعلا توافقية مستقلة.
وبالرغم من كلّ هذه المنطلقات الخاطئة المعبّرة عن غياب إرادة سياسية لدى السلطة للاستجابة الكاملة لمطالب الحراك، إلاّ أننا لا نعدم الأمل في الوصول إلى حل متى صدُقت النوايا وصحّت العزائم، وعليه، فإننا نجدد حرصنا وتأكيدنا على ضرورة الاستمرار في الحراك الشعبي السلمي مع الإشادة بوعي المتظاهرين وأهمية الحفاظ على سلمية مسيراتهم، باعتبارها مكسبا حضاريا أثار إعجاب القاصي والداني، وبالمقابل، ندعو السلطة إلى التعجيل باتخاذ إجراءات التهدئة لتوفير الشروط الضرورية لانتخابات حرة وشفافة على النحو التالي:
1 الاستجابة لمطالب الحراك الشعبي برحيل رموز النظام والقضاء على منظومة الفساد بكل أشكاله.
2 إطلاق سراح معتقلي الرأي فورا وبدون شروط من الشباب والطلبة ونشطاء الحراك.
3 احترام حق التظاهر السلمي المكفول دستوريا، وعدم تقييد حرية العمل السياسي.
4 الكف عن تقييد حرية التعبير لاسيما في المجال السمعي البصري العمومي والخاص.
5 رفع التضييق على المسيرات الشعبية السلمية وفك الحصار عن العاصمة.
6 إيقاف المتابعات والاعتقالات الغير قانونية ضد الناشطين السياسيين.
7 دعوة كل الأطراف المؤمنة بهذه المطالب إلى طاولة الحوار الجاد والمسؤول.
إننا بقدر ما نلح على هذه الإجراءات المسبقة لفتح الطريق أمام الحل الدائم للأزمة السياسية، بقدر ما ندعو الجميع في الحراك إلى التحلي بأقصى درجات اليقظة وضبط النفس، وتجنب استعمال العبارات الجارحة، أو رفع الشعارات المسيئة للأشخاص أو المؤسسات، ونبذ الفتنة وخطاب الكراهية المهدد للوحدة الوطنية.
إننا لا نتصور أن يكون الاستحقاق الرئاسي القادم إلا تتويجا لمسار الحوار والتوافق، فبلادنا بحاجة ماسة إلى اجتماع كل الخيرين للخروج برؤية موحدة تجعل من موعد الرئاسيات القادمة، ليس هدفا لاستمرار النظام القائم ولو بحلة جديدة، بل منطلقا لبعث حياة سياسية جديدة في إطار وحدة وطنية تتقوى بتنوعها الثقافي والسياسي، وتبدد مخاوف المؤسسة العسكرية من سلطة مدنية دستورية، فلاشك أن اتفاقا بهذا المستوى وتوافقا بهذا الحجم سيجنب بلادنا خطر الانسداد ويجعلنا نعبر في نقلة نوعية كجسد واحد وليس أطرافا متصارعة، وبالتالي، فإن المغامرة بانتخابات رئاسية وفق ما هو معلن عنه في التاريخ المحدد، دون توافق وطني مسبق يجمع كل الأطراف، هي قفزة في المجهول ستزيد من احتقان الشارع وتعميق أزمة شرعية الحكم، وقد تفتح الباب أمام التدخلات والإملاءات الخارجية المرفوضة في كل الحالات، وتحت أي شكل من الأشكال وعليه لا يمكن تصور إجراء انتخابات حقيقية في هذه الأجواء .
إننا ندعو السلطة الفعلية إلى إعادة قراءة الواقع بحكمة وواقعية حتى لا تقع في تناقض مع المطالب المشروعة للشعب في التغيير السلمي لآليات وممارسات الحكم، وحتى لا تحرم أجيال الاستقلال المفعمة بالوطنية من ممارسة حقها في بناء دولة عصرية بالروح النوفمبرية الجامعة التي نستحضرها اليوم، عشية حلول ذكرى ثورة نوفمبر العظيمة، وما تحمله من معاني النضال والتضحية وجمع الشمل، والوفاء لرسالة الشهداء الأبرار.
الجزائر في 15 أكتوبر 2019

الموقعون
1 د. أحمد طالب الابراهيمي.
2 الاستاذ علي يحي عبد النور محامي.
3 د. أحمد بن بيتور.
4 د. علي بن محمد.
5 عبد العزيز رحابي.
6 الشيخ محمد الهادي الحسني.
7 نور الدين بن يسعد محامي ( الرابطة الوطنية لحقوق الإنسان ).
8 صادق دزيري ( نقابة لونباف ).
9 د. الياس مرابط ( نقابة ممارسي الصحة العمومية ).
10 د. أرزقي فراد.
11 د. ناصر جابي.
12 د. لويزة ايت حمادوش ( جامعة الجزائر ).
13 د. فريدة بلفراق ( جامعة باتنة ).
14 أ. عبد الغاني بادي. محامي.
15 د. الحاج موسى بن عمر ( جامعة الجزائر).
16 الاستاذ ناصر يحي محامي ( وهران ).
17 د. مسلم بابا عربي ( جامعة ورقلة ).
18 د. سيف الإسلام بن عطية ( جامعة الجزائر ).
19 أ.هاشم ساسي (محامي خنشلة).
20 إدريس شريف. (جامعة الجزائر).

رأيك يهمنا، هل استفدت من هذا الموضوع؟
0 out of 5 stars
5 Stars 0%
4 Stars 0%
3 Stars 0%
2 Stars 0%
1 Stars 0%
كيف يمكننا تحسين هذا الموضوع؟
نرحب بمقترحاتك تواصل معنا؟

رأيك يهمنا (إضافة، تعديل، مصادر)

%d مدونون معجبون بهذه: